الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٣٥ - لوحة الحياة الدّنيا
الآخر الحيوانات فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَ الْأَنْعامُ.
إنّ هذه النباتات علاوة على أنّها تحتوي على الخواص الغذائية المهمّة للكائنات الحيّة الأخرى، فإنّها تغطي سطح الأرض و تضفي عليها طابعا من الجمال حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَ ازَّيَّنَتْ في هذه الأثناء حيث تتفتح الجنابذ و تورق أعالي الأشجار و تعطي ذلك المنظر الزاهي و تبتسم الأزهار و تتلألأ الأعشاب تحت أشعة الشمس، و تتمايل الأغصان طربا مع النسيم، و تظهر حبات الغذاء و الأثمار أنفسها شيئا فشيئا و تجسم جانبا دائب الحركة من الحياة بكل معنى الكلمة، و تملأ القلوب بالأمل، و العيون بالسرور و الفرح، بحيث وَ ظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها .. في هذه الحال و بصورة غير مرتقبة يصدر أمرنا بتدميرها، سواء ببرد قارص، أو ثلوج كثيرة، أو إعصار مدمّر، و نجعلها كأنّ لم تكن شيئا مذكورا أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ.
لَمْ تَغْنَ مأخوذة من مادة (غنا) بمعنى الإقامة في مكان معين، و على هذا فإنّ جملة لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ تعني أنّها لم تكن بالأمس هنا، و هذا كناية عن فناء الشيء بالكلية بصورة كأنّه لم يكن له وجود مطلقا!.
و للتأكيد تقول الآية في النهاية: كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ.
إنّ ما ذكر أعلاه تجسيم واضح و صريح عن الحياة الدنيوية السريعة الانقضاء و الخداعة، و المليئة بالتزاويق و الزخارف، فلا دوام لثرواتها و نعيمها، و لا هي مكان أ من و سلامة. و لهذا فإنّ الآية التالية أشارت بجملة قصيرة إلى الحياة المقابلة لهذه الحياة، و قالت: وَ اللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ.
فلا وجود و لا خبر هناك عن مطاحنات و اعتداءات المتكالبين على الحياة المادية، و لا حرب و لا إراقة دماء و لا استعمار و لا استثمار، و كل هذه المفاهيم قد جمعت في كلمة دار السّلام.
و إذا تلبّست الحياة في هذه الدنيا بعقيدة التوحيد و الايمان بالمبدأ و المعاد،