الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٣٠ - التّفسير
نبتلي الناس بالمشاكل و النكبات من أجل إيقاظهم و تنبيههم، ثمّ نرفع هذا البلاء عنهم و نذيقهم طعم الراحة و الهدوء بعد تلك الضرّاء، فإنّهم بدلا من أن ينتبهوا لهذه الآيات و يرجعوا إلى الصواب، يسخرون بها، أو يفسرونها بتفسيرات غير صحيحة، فمثلا يفسرون الابتلاءات و المشاكل بأنّها نتيجة غضب الأصنام، و النعم و الطمأنينة بأنّها دليل على شفقتها، أو أنّهم يعدون كل هذه الأمور صدفة محضة:
وَ إِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا.
إنّ كلمة «مكر» في الآية أعلاه، و التي تعني بشكل عام إعمال الفكر، تشير إلى التوجيهات الخاطئة و طرق التهرّب التي يفكر بها المشركون عند مواجهة الآيات الإلهية، و ظهور أنواع البلايا و النعم.
إلّا أنّ اللّه سبحانه حذر هؤلاء بواسطة نبيّه، و أمره أن قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً.
و كما أشرنا مرارا، الى أنّ المكر في الأصل هو كل نوع من التخطيط المقترن بالعمل المخفي، لا المعنى الذي يفهم من هذه الكلمة اليوم، و هو الاقتران بنوع من الشيطنة، و على هذا فإنّه يصدق على اللّه سبحانه كما يصدق على العباد [١]. لكن ما هو مصداق المكر الإلهي في هذه الآية؟
الظاهر أنّها إشارة إلى نفس تلك العقوبات الإلهية التي يحلّ بعضها في نهاية الخفاء و بدون أية مقدمة و بأسرع ما يكون، بل إنّه يعاقب و يعذب بعض المجرمين بأيديهم أحيانا. و من البديهي أن من هو أقدر من الكل و أقوى من الجميع على دفع الموانع و تهيئة الأسباب، ستكون خططه- أيضا- هي الأسرع. و بتعبير آخر فإنّ اللّه سبحانه في أي وقت يريد أنزال العقاب بأحد العباد أو تنبيهه، فإنّ هذا العقاب سيتحقق مباشرة، في حين أن الآخرين ليسوا كذلك.
ثمّ يهدد هؤلاء بأن لا تظنوا أنّ هذه المؤامرات و الخطط ستنسى، بل إنّ رسلنا- أي الملائكة- يكتبون كل هذه المخططات التي تهدف إلى إطفاء نور الحق:
[١] لمزيد التوضيح راجع المجلد الثاني من تفسيرنا هذا، ذيل الآية (٥٤) من سورة آل عمران.