الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩ - الحكمة الثّالثة، المنتظرون بحق لا يذوبون في المحيط الفاسد
سبيل المحافظة على الذات و حفظ الآخرين و إصلاحهم أيضا.
و حين نجد- في التعاليم الإسلامية- أن اليأس من رحمة اللّه و ثوابه من أعظم الذنوب و الكبائر، فقد يتعجب بعض الجهّال: كيف يكون اليأس من رحمة اللّه من الكبائر و الى هذه الدرجة من الأهمية، حتى أنّه أشدّ من سائر الذنوب الأخرى، فإنّ حكمته و «فلسفته» في الحقيقة هو ما أشرنا إليه آنفا، لأنّ العاصي الآيس من رحمة اللّه لا يرى شيئا ينقذه و يخلصه من عذاب اللّه، فلا يفكر بإصلاح الخلل، أو- يكفّ عن الذنب على الأقل لأنّه يقول في نفسه: أنا الغريق فهل أحشى من البلل؟
و النهاية الحتمية جهنّم، و قد اشتريتها، فما عسى أن أفعل؟ ... و ما الى ذلك.
إلّا أنّه حين تنفتح له نافذة الأمل، فإنّه سيرجو عفو ربّه، و يتجه نحو تغيير نفسه و حاله، و يحصل له منعطف جديد في حياته يدعوه الى التوقف عن مواصلة الذنوب و العودة نحو الطهارة و النقاء و الإصلاح.
و من هنا يمكننا أن نعتبر أنّ الأمل عامل تربوي مهم و مؤثر في المنحرفين أو الفاسدين، كما أنّ الصالحين لا يستطيعون أن يواصلوا مسيرهم في المحيط الفاسد إذا لم يكن لهم أمل بالانتصار على المفاسد.
و النتيجة أنّ معنى انتظار ظهور المصلح، هو أنّ الدنيا مهما مالت نحو الفساد أكثر كان الأمل بالظهور أكثر، و الانتظار يكون له أثر نفسي كبير، فيضمن للنفوس القوّة في مواجهة الأمواج و التيارات الشديدة كيلا يجرفها الفساد، فهم ليسوا أربط جأشا فحسب، بل بمقتضى قول الشاعر:
|
عند ما يأزف ميعاد الوصال |
فلظى العشّاق في أيّ اشتعال |
إذن فهم يسعون أكثر للوصول الى الهدف المنشود، و تنشد همتهم لمواجهة الفساد و مكافحته بشوق لا مزيد عليه.
و ممّا ذكرناه- آنفا- نستنتج أن الأثر السلبي للانتظار إنّما يكون في صوره ما لو مسخ مفهومه أو حرّف عن واقعه، كما حرفه المخالفون و الأعداء، و مسخه