الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨ - الحكمة الثّالثة، المنتظرون بحق لا يذوبون في المحيط الفاسد
منهم أن يغفل عن الآخرين بل عليه أن يشدّ أزرهم و أن يسدّ الثغرة و يصلح نقطة الضعف إن وجدت و يرمم المواضع المتداعية و يدعم ما ضعف منها، لأنّه لا يمكن تطبيق مثل هذا المنهج دون مساهمة جماعية نشيطة فعّالة متسقة متناسقة! فبناء على ذلك فالمنتظرون بحقّ عليهم أن يصلحوا حال الآخرين بالإضافة إلى إصلاح حالهم.
فهذا هو الأثر الآخر البنّاء، الذي يورثه الانتظار لقيام مصلح عالمي، و هذه حكمة الفضائل التي ينالها، المنتظرون بحق.
الحكمة الثّالثة، المنتظرون بحق لا يذوبون في المحيط الفاسد:
إنّ الأثر المهم الآخر للانتظار هو عدم ذوبان المنتظرين في المحيط الفاسد، و عدم الانقياد وراء المغريات و التلوّث بها أبدا.
و توضيح ذلك: أنّه حين يعم الفساد المجتمع، أو تكون الأغلبية الساحقة منه فاسدة، فقد يقع الإنسان النقي الطاهر في مأزق نفسي، أو بتعبير آخر: في طريق مسدود «لليأس من الإصلاحات التي يتوخّاها».
و ربّما يتصور «المنتظرون» أنّه لا مجال للإصلاح، و أن السعي و الجدّ من أجل البقاء على «النقاء» و الطهارة و عدم التلوّث، كل ذلك لا طائل تحته، أو لا جدوى منه، فهذا اليأس أو الفشل قد يجرّ الإنسان نحو الفساد و الاصطباغ بصبغة المجتمع الفساد، فلا يستطيع المنتظرون عندئذ أن يحافظوا على أنفسهم باعتبارهم أقليّة صالحة بين أكثرية طالحة، و أنّهم سيفتضحون إن أصروا على مواصلة طريقهم و ينكشفون لأنّهم ليسوا على شاكلة الجماعة.
و الشيء الوحيد الذي ينعش فيهم الأمل و يدعوهم الى المقاومة و التجلد و عدم الذّوبان و الانحلال في المحيط الفاسد، هو رجاؤهم بالإصلاح النهائي، فهم في هذه الحال- فحسب- لا يسأمون عن الجد و المثابرة، بل يواصلون طريقهم في