الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٦٨ - ملاحظات
و وجوب اتباع المتعلمين لمعلمين.
و كما قلنا سابقا، فإنّ البحث في هذه الآية لا ينحصر في فروع الدين، بل تشمل حتى المسائل الأصولية، و تتضمن الفروع أيضا على كل حال.
الإشكال الوحيد الذي يثار هنا، هو أنّ الاجتهاد و التقليد لم يكن موجودا في ذلك اليوم، و الأشخاص الذين كانوا يتعلّمون المسائل و يوصلونها للآخرين حكمهم كحكم البريد و الإرسال في يومنا هذا، لا حكم المجتهدين، أي إنهم كانوا يأخذون المسألة من النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم و يبلغونها للآخرين كما هي من دون إبداء أي رأي أو وجهة نظر.
و لكن مع الأخذ بنظر الاعتبار المفهوم الواسع للاجتهاد و التقليد يتّضح الجواب عن هذا الإشكال.
و توضيح ذلك: إن ممّا لا شك فيه أن علم الفقه على سعته التي نراها اليوم لم يكن له وجود ذلك اليوم، و كان من السهل على المسلمين أن يتعلّموا المسائل من النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم، لكن هذا لا يعني أنّ علماء الإسلام كان عملهم هو بيان المسائل فقط، لأن الكثير من هؤلاء كانوا يذهبون إلى الأماكن المختلفة كقضاة و أمراء، و من البديهي أن يواجهوا من المسائل ما لم يسمعوا حكمها بالذات من النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم، إلّا أنّها كانت موجودة في عمومات و إطلاقات آيات القرآن المجيد. فكان هؤلاء قطعا يقومون بتطبيق الكليات على الجزئيات- و في الاصطلاح العلمي: رد الفروع إلى الأصول ورد الأصول على الفروع- لمعرفة حكم هذه المسائل، و كان هذا بحد ذاته نوعا من الاجتهاد البسيط.
إنّ هذا العمل و أمثاله كان موجودا في زمن النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم حتما، فعلى هذا فإنّ الجذور الأصلية للاجتهاد كانت موجودة بين أصحاب النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم، و لو أنّ الصحابة لم يكونوا جميعا بهذه الدرجة.
و لما كان لهذه الآية مفهوما عاما، فإنّها تشمل قبول أقوال موضحي و ناقلي