الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٣٤ - ضرورة قطع العلاقات مع الأعداء
و حادة، فهي تقول: ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ و لكي توكّد ذلك قالت: وَ لَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى.
ثمّ أنّ القرآن الكريم بيّن سبب و دليل هذا الحكم فقال: مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ فإنّ هذا العمل- أي الاستغفار للمشركين- عمل لا معنى له و في غير محله، لأنّ المشرك لا يمكن العفو عنه بأي وجه، و لا سبيل لنجاة من سار في طريق الشرك، إضافة إلى أن طلب المغفرة نوع من إظهار المحبة و الارتباط بالمشركين، و هذا هو الأمر الذي نهى عنه القرآن مرارا و تكرارا.
و لما كان المسلمون العارفون بالقرآن قد قرءوا من قبل أن إبراهيم استغفر لعمه آزر، و لذا فمن الممكن جدّا أن يتبادر الى أذهانهم هذا السؤال: ألم يكن آزر مشركا؟ و إذا كان هذا العمل منهيا عنه فكيف يفعله هذا النّبي الكبير؟
لهذا نرى أن الآية الثّانية تتطرق لهذا السؤال و تجيب عليه مباشرة لتطمئن القلوب، فقالت: وَ ما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ.
و في آخر الآية توضيح بأنّ إبراهيم كان إنسانا خاضعا بين يدي اللّه عزّ و جلّ، و خائفا من غضبه، و حليما واسع الصدر، فقالت: إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ.
إنّ هذه الجملة قد تكون بيانا لسبب الوعد الذي قطعه إبراهيم لآزر بالاستغفار له، لأنّ حلمه و صبره من جهة، و كونه أوّاها- و الذي يعني كونه رحيما طبقا لبعض التفاسير- من جهة أخرى، كانا يوجبان أن يبذل قصارى جهده في سبيل هداية آزر، حتى و إن كان بوعده بالاستغفار له، و طلب المغفرة عن أعماله السابقة.
و يحتمل أيضا أن تكون هذه الجملة دليلا على أنّ إبراهيم لخضوعه و خشوعه و خوفه من مخالفة أوامر اللّه سبحانه لم يكن مستعدا لأن يستغفر للمشركين أبدا، بل إنّ هذا العمل كان مختصا بزمان كان أمل هداية آزر يعيش في قلبه، و لهذا فإنّه بمجرّد أن اتّضح أمر عداوته ترك هذا العمل.