الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨٣ - السّابقون إلى الإسلام
الثّالث: الذين جاؤوا بعد هذين القسمين و اتبعوا خطواتهم و مناهجهم، و قبولهم الإسلام و الهجرة، و نصرتهم للدين الإسلامي، فإنّهم ارتبطوا بهؤلاء السابقين:
وَ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ [١].
ممّا قلناه يتبيّن أنّ المقصود من «بإحسان» في الحقيقة هو بيان الأعمال و المعتقدات لهؤلاء السابقين إلى الإسلام التي ينبغي اتباعها، و بتعبير آخر فإنّ (إحسان) وصف لبرامجهم التي تتّبع.
و قد احتمل أيضا في معنى الآية أنّ (إحسان) بيان لكيفية المتابعة، أي أن هؤلاء يتبعونهم بالصورة اللائقة و المناسبة. ففي الصورة الأولى الباء في (بإحسان) بمعنى (في)، و في الصورة الثّانية بمعنى (مع). إلّا أنّ ظاهر الآية مطابق للتفسير الأوّل.
و بعد ذكر هذه الأقسام الثّلاثة قالت الآية: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ.
إن رضى اللّه سبحانه و تعالى عن هؤلاء هو نتيجة لإيمانهم و أعمالهم الصالحة التي عملوها، و رضاهم عن اللّه لما أعد لهم من الجزاء و العطايا المختلفة التي لا تدركها عقول البشر. و بتعبير آخر، فإنّ هؤلاء قد نفذوا كل ما أراده اللّه منهم، و في المقابل أعطاهم اللّه كل ما أرادوا، و على هذا فكما أنّ اللّه سبحانه راض عنهم، فإنّهم راضون عن اللّه تعالى.
و مع أنّ الجملة السابقة قد تضمنت كل المواهب و النعم الإلهية، المادية منها و المعنوية، الجسمية و الروحية، لكن الآية أضافت من باب التأكيد، و بيان التفصيل بعد الإجمال: وَ أَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ و من امتيازات هذه النعمة أنّها خالدة، و سيبقى هؤلاء خالِدِينَ فِيها و إذا نظرنا إلى مجموع هذه المواهب المادية و المعنوية أيقنا أن ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ.
[١] لقد عدّ الكثير من المفسّرين (من) الواردة في جملة وَ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَ الْأَنْصارِ تبعيضية، و ظاهر الآية أيضا كذلك، لأن حديث الآية عن طلائع الإسلام و السابقين إليه، لا عن جميع المسلمين. أمّا الباقون فإنّهم يدخلون في مفهوم الجملة التالية، أي: (التابعون).