الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢٩ - مؤامرة خطرة
الجملة الأخرى تبيّن واقع المنافقين القبيح و نكرانهم للجميل فتقول الآية: إنّ هؤلاء لم يروا من النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم أي خلاف أو أذى، و لم يتضرروا بأي شيء نتيجة للتشريع الإسلامي، بل على العكس، فإنّهم قد تمتعوا في ظل حكم الإسلام بمختلف النعم المادية و المعنوية وَ ما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ [١] و هذه قمة اللؤم.
و لا شك أنّ إغناءهم و تأمين حاجاتهم في ظل رحمة اللّه و فضله و كذلك بجهود النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم لا يستحق أن ينقم من جرائه هؤلاء المنافقون، بل إنّ حقّه الشكر و الثناء، إلّا أنّ هؤلاء اللؤماء المنكرين للجميل و المنحرفي السيرة و السلوك قابلوا الإحسان بالإساءة.
و مثل هذا التعبير الجميل يستعمل كثيرا في المحادثات و المقالات، فمثلا نقول للذي أنعمنا عليه سنين طويلة و قابل إحساننا بالخيانة: إنّ ذنبنا و تقصيرنا الوحيد أنّنا آويناك و دافعنا عنك و قدّمنا لك منتهى المحبّة على طبق الإخلاص.
غير أنّ القرآن- كعادته- رغم هذه الأعمال لم يغلق الأبواب بوجه هؤلاء، بل فتح باب التوبة و الرجوع إلى الحق على مصراعيه إن أرادوا ذلك، فقال: فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ. و هذه علامة واقعية الإسلام و اهتمامه بمسألة التربية، و معارضته لاستخدام الشدّة في غير محلّها و هكذا فتح باب التوبة حتى بوجه المنافقين الذين طالما كادوا للإسلام و تآمروا على نبيّه و حاكوا الدسائس و التهم ضده، بل إنّه دعاهم إلى التوبة أيضا.
هذه في الحقيقة هي الصورة الواقعية للإسلام، فما أظلم هؤلاء الذين يرمون
[١] ممّا يستحق الانتباه أن الجملة أعلاه بالرغم من أنّها تتحدث عن فضل اللّه و رسوله، إلّا أن الضمير في مِنْ فَضْلِهِ جاء مفردا لا مثنى، و السبب في ذلك هو ما ذكرناه قبل عدة آيات من أن أمثال هذه التعبيرات لأجل إثبات حقيقة التوحيد، و أن كل الأعمال بيد اللّه سبحانه، و أنّ النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم إذا ما عمل عملا فهو بأمر اللّه سبحانه، و لا ينعزل عن إرادته سبحانه.