الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١٥ - تكرر التأريخ و الإعتبار به
يدعون الناس إلى الفساد و يرغبونهم فيه، و ينهون الناس عن فعل الخير و يمنعونهم إن استطاعوا، و كذلك في بخلهم و إمساكهم و عدم إنفاقهم، و بعد كل ذلك فإنّهم يشتركون في الأصل الأهم، و هو أنّهم قد نسوا اللّه سبحانه و تعالى في جميع مراحل حياتهم، و تعديهم على قوانينه و فسقهم. و ممّا يثير العجب أنّ هؤلاء بالرغم من كل هذه الصفات القبيحة السيئة يدّعون الإيمان باللّه و الإعتقاد الرصين بأحكام الدين الإسلامي و أصوله و مناهجه! في الآية التي تليها نلاحظ الوعيد الشديد و الإنذار بالعذاب الأليم و الجزاء الذي ينتظر هؤلاء حيث تقول: وَعَدَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَ الْمُنافِقاتِ وَ الْكُفَّارَ نارَ جَهَنَّمَ و أنّهم سيخلدون في هذه النّار المحرقة خالِدِينَ فِيها و أن هذه المجازاة التي تشمل كل أنواع العذاب و العقوبات تكفي هؤلاء، إذ هِيَ حَسْبُهُمْ و بعبارة أخرى: إنّ هؤلاء لا يحتاجون إلى عقوبة أخرى غير النّار، حيث يوجد في نار جهنم كل أنواع العذاب: الجسمية منها و الروحية.
و تضيف الآية في خاتمتها أن اللّه تعالى قد أبعد هؤلاء عن ساحة رحمته و جازاهم بالعذاب الأبدي وَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَ لَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ، بل إن البعد عن اللّه تعالى يعتبر بحد ذاته أعظم و أشد عقوبة و آلمها.
تكرر التأريخ و الإعتبار به:
من أجل توعية هؤلاء المنافقين، وضعت الآية الآتية مرآة التاريخ أمامهم، و دعتهم إلى ملاحظة حياتهم و سلوكهم و مقارنتها بالمنافقين و العتاة المردة الذين تمردوا على أوامر اللّه سبحانه و تعالى، و أعطتهم أوضح الدروس و أكثرها عبرة، فذكّرهم بأنّهم كالمنافقين الماضين و يتبعون نفس المسير و سيلقون نفس المصير:
كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ علما أنّ هؤلاء كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَ أَكْثَرَ أَمْوالًا وَ أَوْلاداً.
و كما أنّ هؤلاء قد تمتعوا بنصيبهم في هذه الحياة الدنيا، و صرفوا أعمارهم في