الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١٠ - مؤامرة أخرى للمنافقين
لذا فلهم نغمة واحدة، و هم كثيرا ما يستفيدون و يتبعون هذا الطرق، بل إنّهم في بعض الأحيان يطرحون أكثر المسائل جدية لكن بلباس المزاح الساذج البسيط، فإن وصلوا إلى هدفهم و حققوه فهو، و إلّا فإنّهم يفلتون من قبضة العدالة بحجّة المزاح.
غير أنّ القرآن الكريم واجه هؤلاء بكل صرامة، و جابههم بجواب لا مفرّ معه من الإذعان للواقع، فأمر النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم أن يخاطبهم قُلْ أَ بِاللَّهِ وَ آياتِهِ وَ رَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ، أي إنّه يسألهم: هل يمكن المزاح و السخرية حتى باللّه و رسوله و آيات القرآن؟! هل إنّ هذه المسائل التي هي أدق الأمور و أكثرها جدية قابلة للمزاح؟! هل يمكن إخفاء قضية تنفير البعير و سقوط النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم من تلك العقبة الخطيرة، و التي تعني الموت، تحت عنوان و نقاب المزاح؟ أم أنّ السخرية و الاستهزاء بالآيات الإلهية و إخبار النّبي بالانتصارات المستقبلية من الأمور التي يمكن أن يشملها عنوان اللعب؟ كل هذه الشواهد تدل على أنّ هؤلاء كان لديهم أهداف خطيرة مستترة خلف هذه الأستار و العناوين.
ثمّ يأمر القرآن النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم أن يقول للمنافقين بصراحة: لا تَعْتَذِرُوا، و السبب في ذلك أنّكم قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ، فهذا التعبير يشعر أن هذه الفئة لم تكن منذ البداية في صف المنافقين، بل كانوا مؤمنين لكنّهم ضعيفو الإيمان، بعد هذه الحوادث الآنفة الذكر سلكوا طريق الكفر.
و يحتمل أيضا في تفسير العبارة أعلاه أن هؤلاء كانوا منافقين من قبل، إلّا أنّهم لم يظهروا عملا مخالفا، فإنّ النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم و المسلمين كانوا مكلّفين أن يعاملوهم كأفراد مؤمنين، لكن لما رفع النقاب بعد أحداث غزوة تبوك، و ظهر كفرهم و نفاقهم أعلم هؤلاء بأنّهم لم يعودوا من المؤمنين.
و اختتمت الآية بهذه العبارة: إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأَنَّهُمْ