موسوعة التاريخ الاسلامي - اليوسفي، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٣٦ - إعلان المأمون تفضيل علي عليه السلام
ثمّ قال : يا إسحاق ؛ ألست ممّن يشهد أنّ « العشرة » في الجنة ؟ قلت : بلى ، قال : أرأيت لو أنّ رجلاً قال : ما أدري هذا الحديث صحيح أم لا ؟ أيكون كافراً عندك ؟ ( وهو من قضاة بغداد ) قال : قلت : لا . قال : أفرأيت لو قال : ما أدري هذه السورة من القرآن أم لا ألا يكون كافراً عندك ؟ قلت : بلى . قال : فأرى أنّ فضل الرجل ( علي ) يتأكّد !
ثمّ قال لي : يا إسحاق ، خبّروني عن حديث « الطائر المشوي » أغير صحيح عندك ؟ قلت : بلى . قال : لا يخلو هذا من أن يكون ( علي ) كما دعاه النبيّ صلى الله عليه و آله ( أحبّ خلقه إليه ) أو يكون ( دعاؤه ) مردوداً ؟ أو عرف اللََّه الفاضل من خلقه وكان المفضول أحبّ إليه ؟ أو تزعم أنّ اللََّه لم يعرف الفاضل من المفضول ؟ فأيّ الثلاث أحبّ إليك أن تقول به ؟!
قال إسحاق : فقلت : يا أمير المؤمنين ؛ إنّ اللََّه تعالى يقول في أبي بكر :
« ثََانِيَ اِثْنَيْنِ إِذْ هُمََا فِي اَلْغََارِ إِذْ يَقُولُ لِصََاحِبِهِ لاََ تَحْزَنْ إِنَّ اَللََّهَ مَعَنََا » [١] فنسبه اللََّه إلى صحبة نبيّه صلى الله عليه و آله .
فقال المأمون : سبحان اللََّه ! ما أقل علمك باللغة والكتاب ! أما يكون الكافر صاحباً للمؤمن ؟! فأي فضيلة في هذا ؟! أما سمعت قول اللََّه تعالى : «قََالَ لَهُ صََاحِبُهُ وَ هُوَ يُحََاوِرُهُ أَ كَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرََابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوََّاكَ رَجُلاً » [٢] فقد جعله له صاحباً . وقال الهذلي شعراً :
ولقد غدوت وصاحبي وحشية # تحت الرداء بصيرة بالمشرق !
وقال الأزدي شعراً :
ولقد ذعرتالوحش فيه وصاحبي # محض القوائم من هجان الهيكل
فصيّر فرسه صاحبه .
وأما قوله : «إِنَّ اَللََّهَ مَعَنََا » فإنّ اللََّه مع البرّ والفاجر ! أما سمعت قوله تعالى :
« مََا يَكُونُ مِنْ نَجْوىََ ثَلاََثَةٍ إِلاََّ هُوَ رََابِعُهُمْ وَ لاََ خَمْسَةٍ إِلاََّ هُوَ سََادِسُهُمْ وَ لاََ أَدْنىََ مِنْ ذََلِكَ وَ لاََ أَكْثَرَ إِلاََّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مََا كََانُوا » [١] .
وأما قوله : «لاََ تَحْزَنْ » فأخبرني أكان حزن أبي بكر طاعة أو معصية ؟ فإن زعمت أنه طاعة فقد جعلت النبيّ ينهى عن الطاعة ، وهذا خلاف صفة الحكيم .
وإن زعمت أ نّه معصية فأيّة فضيلة ؟!
ثمّ خبّرني عن قوله تعالى : «فَأَنْزَلَ اَللََّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ » على مَن ؟ قال إسحاق ، قلت : على أبي بكر ؛ لأنّ النبي صلى الله عليه و آله كان مستغنياً عن السكينة !
فقال : إنّ الناس انهزموا يوم حُنين فلم يبق مع النبيّ إلّاسبعة من بني هاشم ! علي يضرب بسيفه ، والعباس بيده لجام بغلة رسول اللََّه ، وخمسة يحدقون بالنبيّ أن لا يناله سلاح الكفار ، حتّى أعطى اللََّه رسوله الظفر فقال : «ثُمَّ أَنْزَلَ اَللََّهُ سَكِينَتَهُ عَلىََ رَسُولِهِ وَ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ » [٢] فعنى بالمؤمنين هنا علياً ومن حضر من بني هاشم . فمن كان أفضل ؟ أمن كان مع النبيّ فنزلت السكينة على النبيّ وعليه ؟ أم من كان مع النبيّ في الغار ولم يكن أهلاً لنزولها عليه ؟!
يا إسحاق ؛ إنّ اللََّه تبارك وتعالى أمر نبيّه صلى الله عليه و آله أن يأمر علياً بالنوم على فراشه ووقايته بنفسه ( للهجرة ) فأمره بذلك . فقال علي : أتسلم يا رسول اللََّه ؟ قال : نعم .
قال : إذن طاعة وسمعاً . ثمّ أتى مضجعه وتسجّى بثوبه ، وأحدق المشركون به لا يشكون في أ نّه النبيّ ، وقد أجمعوا على أن يضربه من كل بطن رجل ضربة لئلّا يطلب الهاشميون بدمه ! وعلي يسمع بأمر القوم فيه ، من التدبير في تلف نفسه ،
[١] المجادلة : ٧ .
[٢] التوبة : ٤٠ و ٢٦ .