محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٦٢٢ - الخطبة الثانية
كثيراً ما تنقسم مجتمعات الناس إلى فئة المواقع السلطوية الكبيرة الجائرة، وفئة المواقع الشعبية المظلومة المنهكة، وأنت تجد من خلال هذا الواقع ظلما هناك ومظلومية هنا، علما ماديا هناك، وجهلا ماديا هنا، قوة هناك وضعفا هنا، أمنا هناك وخوفا هنا، بذخا هناك ومسكنة هنا، صحّة هناك ومرضا هنا، شوارع هناك وأتربة هنا، تجدك في عالمين، وتجدك وأنت في وطن صغير واحد في بيئة راقية مترفة فمع من وفي بيئة مسحوقة وملوّثة، وبيئة مرض، بيئة فقر، بيئة جهل. يكون عالم الدين، وأين يجب أن يجد نفسه، وأن يجده الناس من هذا الانقسام؟! وقبل ذلك أن يجده ربّه؟!
أيكون حياديا؟ لا حيادية مع الرسالية في مثل هذا الانقسام. مع الترف والانحراف والظلم والبغي؟ هذا خروج عن الخطّ، وانقلاب في الذات. في خندق المحرومين والمظلومين؟ هذا هو المتعيّن.
هذا الانحياز وبصورة إيجابيَّة يدفع إليه حبّ الله، الطمع في الله، خوف الله، وذلك هو الذي يصبّر عليه رغم ثقله وكلفته. وكلفة التخندق مع المستضعفين المحرومين كلفة مضاعفة، هي كلفة عداوة من القويّ، واستهداف منه لمن انحاز للمستضعفين.
هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن المستضعفين والمحرومين الذين طحنتهم الحياة أعصابهم متوتّرة، ودمهم يغلي، وقد يقلّ صبرهم، بل قد يخسرون صبرهم تحت وطأة الظروف، والمنحاز لهذا الصفّ يتعب، وقد تأتيه السهام الكثيرة وكأنّه العدو، والظروف والصعوبات والإرهاق وطغيان المحنة، وتعاظم الفتنة يثير الأعصاب، وقد يُنسى، وقد يسبب الغلط،