محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٤ - الخطبة الأولى
فليكن مال عريض، ولتكن شهرة منتشرة، وليكن سلطان، ولكن القلب وهو يبحث عن مصدر قوّة، عن مصدر أمان، عمّا يمكن أن يُعطي استقراراً لن يجد من كل ما ملكت يد الإنسان ما هو ركن شديد، وما هو مصدر قوة حقيقية، وما هو مصدر بقاء، ومصدر هداية، ومصدر أمن. المال ليس الربّ، من اشتهرت عندهم ليسوا الرب، السلطان ليس الرب، كل ذلك ليس قوة في نفسه، ليس شيئا في نفسه، ليس وجودا في نفسه حتى يركن إليه القلب، القوّة التي لا قوة مثلها وهي بنفسها القوة الحق، والخير الذي لا خير مثله، وهو نفسه الخير الحقّ، إنما هو الله. القوة الحق قوة الله، الخير الحق هو الله، الوجود الحق هو الله، الحياة الحق هو الله تبارك وتعالى.
وَ مَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ... ٦.
حين يكون الموكول له الإنسان هو أعدى أعدائه، ما حاله؟ والآية الكريمة تتحدث عن إنسان يعشو عن ذكر الله فيكون له قرين من شيطان، والشيطان أعدى أعداء الإنسان. والعشى نوع من العمى، وهو العمى الليلي، والحياة فيها ظلمات، طبقات من الظلمة، والقلب دائماً قابل لأن يعشو في ظلمات الحياة وذكر الرحمن هو النور الهادي الوحيد في كل ظلمة والعشى عن ذكر الله يُسْلَم معه القلب للشيطان، تُسلم النفس للشيطان، وهل الشيطان يُعطي هدى؟ وهل الشيطان يعطي سكينة؟ وهل يدل على خير؟ وهل للشيطان نية خير؟ ففي العشى عن ذكر الله الإنسان يكون تحت يد أظلم ظالم، وأشرّ شرٍّ، وأعدى عدوٍّ وهو الشيطان، وماذا يحمي من هذا الشيطان وأعوانه؟ إنما هو ذكر الله سبحانه وتعالى.
وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ٧.