محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٦ - الخطبة الأولى
واحدهم في شخصيته بعدان وتواضع ينبع من شعور غزير بالعبودية، انكسار دائم في أشد الظروف المغرية بالاستكبار، فليكن الظرف ظرف نصر، ظرف عزّة ظاهرية وشهرة طاغية، إلا أن تلك القلوب مشغولة عما يغر من الدنيا بما تتيقن به من عبوديتها وقنيّتها لله سبحانه وتعالى، منزهة أن تشعر بعزّة مفصولة عن الله، كيف وهي تعيش إيمان هذه القضية بالكامل (لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا).
والبعد الآخر هو أن التعلق بالله وكما مر يمنح نورا، ويصنع قوّة، ويحدث للنفس انفتاحاً خيّرا، وملكة عطاء بلا ترقّبِ جزاءٍ إلا من الله حتى لترتفع نفس أمير المؤمنين علي عليه السلام فيأتي عمله كلّه صالحاً لا لعطاء ماديّ في الآخرة فضلا عن الدنيا، وإنما هو من العشق لله سبحانه وتعالى، والانبهار بجماله وجلاله.
بلى لابد أن تكون لتلك الصلة ولذلك التعلق انعكاس نوراني على شخصية المؤمن الحق فيُذكّر بكرم الله، وعطاء الله، وجمال الله، وعظمة الله.
وإذا كانت عظمة أمير المؤمنين عليه السلام الكبيرة وهو المحدود، وعظمة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله قبله وهو المحدود لا يملك البرفسور ولا الفقيه الفذ، ولا الباحث عن الجمال نفسه أمامها دون أن يخضع فكيف بعظمة الله سبحانه وتعالى!!
" (في حديث المعراج) ... ودم على ذكري. فقال: ياربّ وكيف أدوم على ذكرك؟ فقال: بالخلوة عن النّاس وبغضك الحلو والحامض وإفراغ بطنك وبيتك من الدّنيا" ٦.
ونحن نعرف أن هناك آية قرآنية كريمة تقول قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ ٧. نعم، يصح هذا وذاك، والقرآن هو الهادي الأول.