محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٥٤ - الخطبة الأولى
" تاجر الدنيا مخاطر بنفسه وماله، وتاجر الآخرة غانم رابح، وأول ربحه نفسه ثم جنة المأوى" ٧.
مخاطر بنفسه فقد تجرّه تجارة الدنيا إلى بيع نفسه بها وفي أثنائها ويؤول أمره إلى النّار، وهو مخاطر بماله إذ لا ضمان دائما يمنع من خسارة ذلك المال.
أما تاجر الآخرة فأكبر ما يربحه نفسه شرفها، سموُّها، انفتاحها على الله، تجاوزها لحدود المادة، احتفاظه بالفطرة التي كرمت بها تلك النفس، ونفسك أغلى من جنّة المادة التي تتوقعها، فقُدّمت النفس ثمّ جاء ذكر الجنّة. سلامة النفس، بقاء إنسانية الإنسان، هذا الضمير الطاهر، هذا الوجدان اللألاء، هذا الفكر النيّر الثاقب، هذه الأشواق الحارّة المتصلة بالكمال الإلهي هي أكبر من حور عين، ومن رياض وأنهار.
فالحديث يقول" وأول ربحه نفسه" وليس المقصود هنا الترتّب الزماني، إنما هذا الترتب ترتّب منزلة ومقام. ثمّ إنه من لم يربح نفسه لم يربح الجنّة. وربح الجنّة إنما هو بمقدار ربح النفس، فإن الجنة منازل متفاوتة، والنفوس الكبيرة عند الله لها المنازل الكبيرة، وما صغر نسبيّاً من النفوس صغرت منزلته في الجنة.
" يا أبا ذر ٨ يقول الله جلّ ثناؤه: وعزتي وجلالي لا يؤثر عبدي هواي على هواه إلّا جعلت غناه في نفسه وهمومه في آخرته وضمَّنتُ السماوات والأرض رزقه وكففت عليه ضيعته ٩، وكنت له من وراء تجارة كل تاجر" ١٠.
الحديث يستوقف كثيراً والوقت ليس بذلك المقدار لكنها الوقفة المستعجلة:-