محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣١٨ - الخطبة الأولى
واللحظة المبذولة من العمر في الدّرهم والدينار ليست أرقى اللحظات فيه، فدينار أحدنا في نفسه لا يشرف به العمر الذي أكسبه. نعم، إنما يشرف الدينار ويشرف به العمر إذا بُذل في سبيل الله، فكان في ذلك عمل صالح يتقرّب به إليه.
" من أحسن في ما بقي من عمره لم يؤاخذ بما مضى من ذنبه، ومن أساء في ما بقي من عمره أخذ بالأول والآخر" ٥.
فُرصة التدارك أمام الإنسان مفتوحة ما بقي العمر، والتوبة تغسل ما قبلها، والحسناتُ يُذهبن السيئات كما بيّنته الآية الكريمة وَ أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَ زُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ ٦.
والإنسان في كل يوم، وفي كل ساعة، وفي كلّ لحظة يحتمل أنَّ هذا هو آخر ما بقي من عمره، ومن بعده تذهب الفرصة، وتكون الغصَّة، ويفوت التدارك، فليس له إلَّا أن يحسن لئلا تكون المؤاخذة شاملة، والتبعة باقية، والخسارة هائلة، والمصير الشقاء، إذ من واصل انحرافه، وتمادى في ارتكاب السيئات حتى وافاه أجلُه أضاف إلى الذنوب ذنوباً، وإلى الخطايا، فكان وزره ثقيلا، ومؤاخذته بكلِّ ذلك.
في حديث آخر:" من جاوز الأربعين ولم يغلب خيرُه شرَّه فليتجهز إلى النّار" ٧.
المتجاوز للأربعين قد قدّمت له الحياة دروسا واعظة كثيرة، وخبرة بمآسي الدنيا واسعة تُزهّد فيها، وأوقفته على نتائج جمّة تذكّر بالرحيل عنها، وتلقّى من الآيات التي تخاطب العقل والقلب، وتستتبع التعقل والتدبّر، وتثير الخوف من الله، وتزيد من توقّع المصير ما يكفي جدّاً لأن يردّه عن غيّه لو كان له بقية من صلاح، واستعداد يبشّر بالأوبة. فحيث