شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٤٢ - الفصل الثّامن فى بيان أقسام الإدراك الحسّى و الخيالى و العقلى؛ و ترتيبها في التّجرّد و أحكامها
العقل إذا علم القدر المشترك بين [١] الأشخاص المختلفة، فهذا العلم هو التّعقّل [٢]، و ذلك المشترك هو المعقول. فاقتدار العقل على إدراك ذلك القدر المشترك مع قطع النّظر عن الصّفات الّتى بها وقع الاختلاف هو المعنىّ باقتداره على التّجريد، و هو [٣] العمل الّذى عمله بالمحسوس حتّى جعله معقولا.
و أمّا قوله: «و أمّا ما هو في ذاته برىء عن الشّوائب المادّيّة و اللّواحق الغريبة الّتى لا تلزم ماهيّته عن ماهيّته، فهو معقول لذاته ليس يحتاج [٤] إلى عمل يعمل [٥] به يعدّه [٦] لأن يعقله ما من شأنه أن يعقله، بل لعلّة في جانب ما من شأنه أن يعقله [٧]»
؛ فاعلم أنّ المراد منه أنّ المانع من كون الشّىء معقولا هو المادّة و علائقها، فإذا كانت الماهيّة مادّيّة احتاج [٨] العقل في تصييرها معقولة إلى أن يجرّدها عن المادّة. و أمّا إذا كانت مجرّدة لذاتها عن المادّة و عن علائقها، لم تكن بها حاجة [٩] إلى أن يعمل بها عملا لأجله تصير معقولة؛ لأنّه إذا كان المانع عن المعقوليّة غير حاصل لها كانت معقولة في ذاتها. بل ربّما احتاج الشّىء الّذى يعقلها إلى عمل لأجله يستعدّ لأن [١٠] يعقله، و هو الفكر و التّأمّل [١١].
فإن قيل: قولكم: المانع من كون الشّىء معقولا هو المادّة و علائقها؛ فيه بحث. و ذلك لأنّه يجب علينا [١٢] تحقيق [١٣] المراد من المادّة حتّى ينظر أنّه هل يمكن جعلها مانعة من [١٤] المعقوليّة، أم لا؟
فنقول: إنّ ماهيّة الشّىء إذا كانت مؤلّفة من محلّ و حالّ [١٥]، فالمحلّ هو المادّة، و الحالّ هو الصّورة.
مثل [١٦] السرير فإنّه لا يحصل من الخشب فقط، بل لا بدّ و أن يكون ذلك الخشب مشكّلا بشكل مخصوص، و الشّكل حالّ في الخشب. فالخشب [١٧] مادّة في السرير [١٨]، و الشّكل صورة له [١٩]. فقد تحصّل [٢٠] أنّ المادّة هى المحلّ، و الصّورة هى الحالّ، سواء كان المحلّ محسوسا كما ذكرناه، أو معقولا كالهيولى الأولى [٢١] الّتى بيّنها [٢٢] و [٢٣] الحكماء للجسم، و سواء كان متقوّما [٢٤] بالحالّ كالهيولى
[١] - بين: من مج.
[٢] - التّعقّل: العقل مص.
[٣] - هو: هذا ط، مج.
[٤] - يحتاج: بمحتاج مج.
[٥] - يعمل: يعمله م.
[٦] - يعدّه: بعده مص.
[٧] - الّتى لا تلزم ... أن يعقله:. ط.
[٨] - احتاج: احتاجت إلى مص.
[٩] - بها حاجة: به حاجة ط، م، مج: محتاجة مص.
[١٠] - لأن: أن ط، س.
[١١] - التأمّل: القابل س.
[١٢] - علينا:- مص.
[١٣] - تحقيق: تلخيص م.
[١٤] - من: عن ط، م.
[١٥] - من محلّ و حالّ: من حالّ و محلّ س.: من حالّ و من محلّ مج.
[١٦] - مثل: مثلا س، مج.
[١٧] - فالخشب: و الخشب ط، مج.
[١٨] - فى السرير: للسرير ط.: السرير م.
[١٩] - له:- مص.
[٢٠] - فقد تحصّل: لم يقل فحصل مص.
[٢١] - الأولى:- س.
[٢٢] - بيّنها: ثبتها س.
[٢٣] - الّتى بيّنها: أى الّتى اثبتها مج.
[٢٤] - متقوّما: مقوّما ط.