البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٢٤٦ - المورد الأول إمكان جريان الأصول المؤمنة و عدمه
حصول التزاحم الحفظي بين الأغراض اللزومية و الأغراض الترخيصية، فالترخيص الظاهري في جميع أطراف العلم الإجمالي، يعني: أن ملاكات الإباحة الواقعية أهم عند المولى من ملاكات الأحكام الإلزامية الواقعية، فإنّ الإباحة الواقعية
في مورد العلم الإجمالي، إن لم تكن معلومة فهي محتملة على أقل تقدير [١]، و ترجيحها في مقام الحفظ عند حصول التزاحم و إن كان ممكناً عقلًا، و قد وقع فعلًا في موارد الشك البدوي بمقتضى أدلة البراءة الشرعية، و لكن لا دليل على ذلك في موارد العلم الإجمالي؛ لعدم إمكان التمسك بإطلاقات تلك الأدلة، لكون ترجيح الغرض الترخيصي على الغرض اللزومي مخالف للارتكاز العقلائي [٢]؛ لأنّ العقلاء
إذا تزاحم عندهم غرض
[١] فإن العلم الإجمالي يمكن أن يقع على نحوين:
أحدهما: العلم الإجمالي بغرض لزومي في طرف مع العلم في نفس الوقت بالغرض الترخيصي في الطرف الآخر، كما لو علمنا بنجاسة أحد إناءين مع العلم بطهارة الآخر، بالنحو الذي يفترض معه أنه لو كان الإناء النجس واقعاً هو الأول لكان الثاني طاهراً قطعاً، أي: العلم بعدم نجاستهما معاً، بل نجاسة أحدهما فقط، كالعلم بعدم وجوب صلاتين في ظهر يوم الجمعة، الذي يعني في حالة حصول العلم الإجمالي بوجوب إما صلاة الظهر و إما صلاة الجمعة، فإن الصلاة الواجبة واقعاً لو كانت هي الظهر، لكانت صلاة الجمعة غير واجبة قطعاً.
ثانيهما: العلم الإجمالي بغرض لزومي في طرف مع عدم العلم بالغرض الترخيصي في الطرف الآخر، كما لو علمنا إجمالًا بنجاسة أحد الإنائين مع عدم العلم بطهارة الآخر، على نحو لو كان الأول منهما هو النجس، فالثاني كما يمكن أن يكون طاهراً كذلك يمكن أن يكون نجساً.
ففي النحو الأول يكون الغرض الترخيصي في ضمن دائرة أطراف العلم الإجمالي معلوماً، بينما في النحو الثاني يكون محتملًا
[٢] إن قلت: لما ذا لا يكون مثل هذا الارتكاز العقلائي دليلًا على عدم جريان البراءة الشرعية في موارد الشك البدوي أيضاً، لأنه فيها أيضاً يكون من ترجيح الغرض الترخيصي على الغرض اللزومي.؟
كان الجواب: إن الارتكاز العقلائي بعنوانه لا يصلح بحال من الأحوال أن يكون دليلًا شرعياً. نعم، هو صالح لأن يقيد إطلاق الدليل المطلق إذا كان له إطلاق لفظي؛ لأن الإطلاق ظهور عرفي يتحدد على وفق ما يفهمه العرف، تطبيقاً للأساليب العرفية في التفهيم، فيكون الارتكاز العقلائي قرينة عرفية على خلاف ذلك الظهور. فبعد ورود دليل البراءة الشرعية، يدور الأمر فيه بين اختصاصه بموارد الشك البدوي و بين شموله لموارد العلم الإجمالي، فيؤخذ منه بالقدر المتيقن، و هو موارد الشك البدوي، و إلا كان موجباً لالغائه أصلًا كما هو واضح