البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٤٨٦ - البرهان الخامس تحويل المقام إلى الدوران بين العامين من وجه
على تقدير تعلقه بالأكثر هي العموم و الخصوص من وجه. بمعنى: أنه تارة، يفترض امتثال الأمر على تقدير تعلقه بالأقل مع عدم امتثاله على تقدير تعلقه بالأكثر، و أخرى، يفترض امتثاله على تقدير تعلقه بالأكثر مع عدم امتثاله على تقدير تعلقه بالأقل. و ثالثة، يفترض امتثاله على تقدير تعلقه بالأقل أو الأكثر على حد سواء. و مادة الافتراق من ناحية امتثال الأمر بالأقل واضحة؛ إذ يمكن للمكلف أن يمتثل الأمر بالأقل من دون أن يكون ممتثلًا للأمر بالأكثر، بأن يأتي بالأقل فقط، و أما مادة الافتراق من ناحية امتثال الأمر بالأكثر بحيث يكون ممتثلًا للأكثر و غير ممتثل بالنسبة إلى الأقل، فلا تخلو في النظرة الأولى من خفاء و عدم وضوح؛ و ذلك لأن من أمتثل الأمر بالأكثر يعني: أنه جاء بالعشرة أجزاء، و هو مشتمل على الأقل حتماً، و لكن، مثل هذا الخفاء قد يزول إذا فرض كون الأمر عبادياً لا توصلياً، فإنه
يمكن تصوير مادة الافتراق في هذه الحالة من ناحية امتثال الأكثر بحيث لا يعد ممتثلًا للأمر على تقدير تعلقه بالأقل، و ذلك بأن يأتي بالأكثر بداعي الأمر المتعلق بالأكثر على وجه التقييد على نحو لو كان الأمر متعلقاً بالأقل فعلًا لما كان قد انبعث عنه، و إنما قيد انبعاثه عن ذلك الأمر فيما لو كان متعلقاً بالأكثر فعلًا. فالإتيان بالأكثر في هذه الحالة و إن كان مشتملًا على الأقل لا محالة، إلا أنه لم يقصد الانبعاث عن الأمر لو كان متعلقاً بالأقل، و معه، فلا يعد امتثالًا للأقل؛ لأنه مشروط بقصد الامتثال و لم يقصده بحسب الفرض.
فهنا يتشكل علم إجمالي بلزوم امتثال إما الأمر المتعلق بالأقل و إما الأمر المتعلق بالأكثر، و مقتضى هذا العلم الإجمالي هو التنجيز، الموجب للإتيان بالأكثر بداعي الأمر المتعلق به بحيث يكون منبعثاً عنه حتى على تقدير تعلقه بالأقل، و هو ما يمثل مادة الاجتماع في المورد المذكور، و معه، فلا مجال لجريان البراءة عن الوجوب الزائد عند الدوران بين الأقل و الأكثر في الأجزاء إذا كان الواجب عبادياً [١].
[١] أما لو كان الواجب توصلياً، فلا مجال لهذا البرهان؛ لعدم إمكان تحويل الدوران من كونه من الدوران بين الأقل و الأكثر إلى كونه من الدوران بين العامين من وجه؛ و ذلك لعدم إمكان تصوير مادة الافتراق من جهة الأكثر؛ لأن الإتيان بالأكثر في هذه الحالة يعد امتثالًا للأقل أيضاً.