البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٣٩ - ما يمتاز به كل من الأصلين عن الآخر
ثانياً: إن الأصول العملية الشرعية باعتبارها وظائف مجعولة من قبل الشارع في فرض الشك في الحكم الواقعي، فليس من الضروري أن يفترض وجود أصل عملي شرعي في كل مورد من موارد الشك، و إنما هو تابع لدليله؛ فقد يتدخل الشارع في بيان الوظيفة العملية في هذا المورد أو ذاك، و قد يوكل أمر تحديد الوظيفة العملية للمكلف الشاك إلى ما يدركه العقل العملي.
و أما الأصول العملية العقلية فليست كذلك، فإنه لا بد من افتراضها في كل واقعة من وقائع الشك في حد نفسها؛ لأن العقل في ظرف الشك في الحكم الواقعي إما أن يدرك ثبوت حق الطاعة للمولى في ذلك المورد أو يدرك عدم
شموله له، و لا يمكن افتراض حالة ثالثة بالنسبة إلى العقل. فإن أدرك الشمول حكم بالاحتياط و منجزية الاحتمال، و إن أدرك عدم الشمول حكم بالبراءة و معذرية الاحتمال.
ثالثاً: بناءً على ما تقدم فإن الأصول العملية العقلية قد ترد إلى أصلين لا ثالث لهما؛ لأن العقل إن أدرك شمول حق الطاعة لكل ما ينكشف للمكلف من تكاليف و لو انكشافاً احتمالياً حكم بأصالة الاشتغال في مورد الشك و الاحتمال، و إن أدرك عدم الشمول لموارد الشك و الاحتمال حكم بالبراءة فيها.
و لكن قد يفرض أصل عملي عقلي ثالث غير الأصلين المتقدمين، و هو عبارة عن أصالة التخيير التي يحكم بها العقل في مورد دوران الأمر بين وجوب فعل أو حرمته و هو ما يعرف بدوران الأمر بين المحذورين و التي يكون المكلف بمقتضاها مخيراً بين الفعل و الترك [١].
[١] قال المحقق النائيني في فوائد الأصول، ج ٣، ص ٥:) و أما بالنسبة إلى الأصول العقلية: من البراءة و التخيير و الاحتياط، فالحصر فيها عقلي، لأنه في صورة الشك: إما أن يراعى جهة التكليف و إما أن لا يراعى، و في صورة المراعاة: إما أن يراعى من كل وجه و إما أن يراعى في الجملة، فالأول عبارة عن البراءة، و الثاني الاحتياط، و الثالث التخيير. و لا يعقل أن يكون هناك أصل عقلي آخر وراء هذه الأصول الثلاثة».