البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٢٧٩ - الوجه الثاني تقييد الأصل في كل طرف يتصور على أنحاء و لا مرجح
و ارتكابه بعد فعل (أ)، و الحال أنه قد ارتكبه قبله لا بعده كما هو واضح [١].
و إذا كان المحذور يندفع بكل واحد من أنحاء التقييد المتقدمة، و حيث أنّه لا مرجح لأحد هذه الأنحاء من التقييد على الآخر، فلا معيّن للإطلاق الساقط منها من حيث كونه الإطلاق المقابل للتقييد من النحو الأول، أو المقابل للتقييد من النحو
الثاني، أو المقابل للتقييد من النحو الثالث، فينتهي الأمر إلى التعارض أيضاً، فتكون النتيجة هي تساقط كل هذه الأنحاء من التقييد و بقاء الإطلاق المقابل لكل منها على حاله، الأمر الذي ينتهي إلى لزوم الترخيص في المخالفة القطعية، فيتعارض الأصلان في الطرفين و يتساقطان [٢].
[١] لا يقال: إنّ تقييد جريان الأصل في كل طرف بكونه بعد فعل الطرف الآخر و ارتكابه يعني تعليق جريان الأصل في كل منهما على ارتكاب معصية الطرف الآخر، و هذا و إن كان لا يسمح بجريان الأصلين معاً لعدم إمكان فرض كون كل منهما بعد الآخر، إلا أنّ هذا النحو من التقييد- لو أمكن تعقله و قبوله أصلًا- هو فرض الوقوع في المخالفة القطعية. و من المعلوم حرمة المخالفة القطعية للتكليف المعلوم بالإجمال.
فإنّه يقال: إنّ الفرض المذكور ليس من الترخيص في المخالفة القطعية كما هو واضح؛ لما ذكرناه، من أنه لا مجال لجريان الأصلين معاً في الفرض المذكور، و إن كان هذا الفرض ينتهي إلى المخالفة القطعية، و لكن الفرق واضح بين ارتكاب المخالفة القطعية عصياناً و لو بعصيان أحد الطرفين و الترخيص في ارتكاب الطرف الآخر، و بين تجويز ارتكابها و الترخيص فيه شرعاً و ذلك بالترخيص في ارتكاب كلا الطرفين. و من الواضح أنّ التقييد المذكور لا يلزم منه الترخيص في المخالفة القطعية بتجويز ارتكاب كلا الطرفين، و الذي هو المحذور في المقام من افتراض جريان الأصول المؤمنة في جميع أطراف العلم الإجمالي
[٢] لا يقال: إذا دار الأمر بين رفع اليد عن أصل الدليل و بين رفع اليد عن جزء من مفاده لضرورة، فإنه لا موجب لرفع اليد عن أصل الدليل إذا كانت تلك الضرورة تندفع برفع اليد عن بعض مفاده، و في المقام، حيث دار الأمر بين الغاء دليل الأصل رأساً و بين الغاء خصوص اطلاقه، تعيّن رفع اليد عن اطلاقه و الإبقاء على أصل الدليل، و هو ما ينسجم مع تقييد جريان الأصل في كل طرف بحالة ترك الطرف الآخر و عدم ارتكابه، و معه، فلا تصل النوبة إلى تعارض الأصول و تساقطها.
فإنه يقال: إنّ السيد الخوئي لا ينكر أصل القاعدة المذكورة، و إنما يدعي عدم انطباقها في المقام؛ لأن هذه القاعدة إنما تصح فيما لو أمكن التفكيك بين مفاد الدليل بكامله و بين بعض مفاده بالنحو الذي يمكن معه رفع اليد عن هذا البعض مع الإبقاء على أصل الدليل، و ما نحن فيه ليس من هذا القبيل؛ فإن رفع اليد عن خصوص اطلاقه المقابل للنحو الأول من التقييد بعد فرض عدم إمكانه لكونه من الترجيح بلا مرجح لا يتم إلا بالغاء الدليل رأساً. فتأمل.