شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٥٩٣ - الفصل الثّالث فى بيان غرض العارف و غيره من الزّهد و العبادة، و أنّ الزّهد عند العارف تنزّه و عند غيره معاملة، و العبادة عند العارف رياضة و عند غيره معاملة
العارف منهما.
أمّا الزّهد فمطلوب غير العارف منه أن يشترى بمتاع الدّنيا متاع الآخرة. و مطلوب [١] العارف منه هو أنّ التفاوت القلب إلى ما سوى اللّه تعالى يمنعه عن [٢] الاستغراق في محبّة اللّه تعالى، فالعارف يحاول قطع الالتفات إلى ما سوى اللّه تعالى دفعا للمانع. فإنّ العاقل إذا سنح له مطلوبان، أحدهما أشرف من الآخر، و كان كلّ واحد منهما مانعا عن الآخر، اختار لا محالة ترجيح الشّريف على الخسيس. فالاشتغال باللّه تعالى [٣] و بما سواه متضادّان، و الاشتغال به أشرف و أبقى، فكان بالرّعاية أولى. فقوله [٤]: «الزّهد عند [٥] العارف تنزّه [٦] عمّا يشغل سرّه [٧] عن الحقّ»؛ معناه أنّ الغرض من [٨] الزّهد أن لا يبقى قلبه مشغولا بما سوى اللّه تعالى. و أمّا قوله: «و تكبّر على [٩] كلّ شىء غير الحقّ»؛ فمعناه الإشارة إلى درجة أعلى من الأولى، و هى صيرورة العبد متكبّرا على ما [١٠] سوى اللّه مستحقرا له، لا من حيث أنّه من مخلوقات اللّه تعالى فإنّه محض التّيه [١١] المهلك، بل من حيث أنّه [١٢] هو.
و أمّا العبادة فغرض غير العارف منها أخذ الأجرة في الدّار الآخرة، و غرض العارف منها أن تصير القوى [١٣] الجسمانيّة مرتاضة مناسبة [١٤] للأمر الّذى هو مطلوب النّفس، و هو الاستغراق في [١٥] اللّه تعالى حتّى إذا صارت مطيعة للنّفس [١٦] مسخّرة لها. فحينئذ لا تكون عائقة لها عن أفعالها، و لا مانعة إيّاها عن التّوجّه إلى مطلوباتها.
و الحاصل أنّ الزّاهد و العابد يشتركان في أنّ مطلوبهما من الزّهد و العبادة تحصيل اللّذّات في الآخرة، لكنّ الزّاهد يطلبها بترك اللّذّات في الدّنيا، و العابد يطلبها بفعل [١٧] المشاقّ و تحمّلها [١٨]. و الأوّل يسمّى مبايعة [١٩]، و الثّانى يسمّى إجارة [٢٠].
[١] - مطلوب: مقصود س.
[٢] - عن: من ط، م.
[٣] - تعالى: عزّ و جلّ مص.
[٤] - فقوله: و أمّا قوله ط.
[٥] - عند:+ غير م.
[٦] - تنزّه:+ ما مص.
[٧] - يشغل سرّه: يشتغل به مج.
[٨] - من: عن ط.
[٩] - على: عن س.
[١٠] - ما:- ط، م.
[١١] - التّيه: الشّرّ مص.
[١٢] - من حيث أنّه:+ فعله و هذه الأمور لا تصدر عن العارف إلّا بعد هيئة صادرة عن ارتياض ممعن فيه يقرّر عنده حتّى يكون كأنّ هذه الأخلاق القيت في ردعه فلا يرى إلّا هو من حيث أنّه م.
[١٣] - القوى: القوّة م.
[١٤] - مناسبة: متاهبة مج.
[١٥] - فى:+ محبّة م.:+ ذات مص.
[١٦] - للنّفس:+ و ط.
[١٧] - بفعل: لفعل س.
[١٨] - تحمّلها:+ فى الدّنيا ط، م، مج.
[١٩] - مبايعة: معاوضة ط، م.
[٢٠] - إجارة: أجرة ط، م.