شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٥٦٥ - الفصل الأوّل فى أنّ اللّذّات الخياليّة و الوهميّة أقوى من الحسّيّة الخارجيّة و بيان وجوه يدلّ عليه
الشّراب طلبا [١] للذّة العقليّة في النّرد و الشّطرنج. و لو لا أنّ هذه اللذّة أقوى من تلك، و إلّا لما ترجّحت هذه [٢] على تلك.
الثّانى؛ و هو أنّ الإنسان قد يترك المطعوم و المنكوح في حضور من تحتشمه [٣]، و لو لا أنّ مراعاة الحشمة ألذّ و إلّا لما ترجّحت.
الثّالث [٤]؛ و هو أنّ الإنسان ربّما احتاج إلى طعام أو شراب حاجة شديدة، ثمّ إنّه يؤثر غيره على نفسه فيه. و لو لا [٥] أنّ لذّة الإيثار آثر، و إلّا لما كان كذلك.
الرّابع؛ و هو أنّ الإنسان إذا كان كبير النّفس فإنّه يقاسى ألم الجوع و العطش للمحافظة على ماء الوجه. و يستصغر الموت عند مناجزة [٦] المبارزين، و ربّما حارب الواحد مع [٧] جمع عظيم يقطع بأنّه لا ينجو منهم. و كلّ ذلك لأنّ لذّة الحمد آثر عنده من لذّة الحياة [٨]، أو لأنّه يتوقّع الذّكر الجميل بعد الموت كأنّه [٩] يظنّ أنّ ذلك يصل إليه و هو ميّت، فلأجل الرّغبة في ذلك لا يبالى بالموت و يستحقر الحياة.
فقد بان من هذه الوجوه أنّ اللذّات الباطنة أقوى من [١٠] الحسّيّة [١١].
و لمّا بيّن ذلك في الإنسان بيّن أنّه غير مختصّ به، بل هو حاصل أيضا في سائر الحيوانات. و ذكر منها صورتين: فالأولى؛ أنّ من كلاب الصّيد ما يصطاد على الجوع، ثمّ يمسك الصّيد على صاحبه، و ربّما حمله إليه. و الثّانية؛ أنّ الرّاضعة عن الحيوانات تؤثر ما ولدته على نفسها، و ربّما كان جدّها في دفع العدوّ عنه أشدّ من جدّها في [١٢] دفع العدوّ عن نفسها [١٣]. فثبت بمجموع ما ذكرنا [١٤] أنّ اللّذّات الباطنة أقوى من [١٥] الظّاهرة، و إن لم تكن عقليّة، فما ظنّك بالعقليّات [١٦]؟ و اعلم أنّ هذا الكلام الأخير إقناعىّ [١٧].
[١] - طلبا: طالبا ط.
[٢] - هذه:+ اللذّة ط.
[٣] - تحتشمه: تحشمته مص.
[٤] - و هو أنّ الإنسان ... الثّالث:- مج.
[٥] - لولا: لو مص.
[٦] - مناجزة: مساخره ط.
[٧] - مع: من مص.
[٨] - الحياة: الحيوانيّة ط.
[٩] - كأنّه: فكأنّه س.
[١٠] - من:+ اللذّات ط، مج.
[١١] - الحسّيّة: الجسميّة مج.
[١٢] - فى: من مج.
[١٣] - نفسها: النّفس ط، م.
[١٤] - ذكرنا: ذكرناه س.
[١٥] - من:+ اللذّات مص.
[١٦] - بالعقليّات: فى العقليّات ط، م.
[١٧] - إقناعىّ:+ خطابىّ جدّا مص.:+ قال صاحب الصحاح: العطب: الهلاك؛ و الدهم: العدد الكبير؛ و يقال امتطيناها:
اتّخذناها مطايا ط، م.