شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٣٢٠ - الفصل الخامس و العشرون فى بيان مراتب الحركات الاختياريّة و مباديها
و منهم من قال: لا حاجة إلى الدّاعى [١]، لأنّ الهارب من السبع إذا عنّ له طريقان متساويان من كلّ الوجوه فإنّه لا بدّ و أن يسلك أحدهما دون الآخر. لأنّه من المحال أن يقف هناك حتّى يفترسه [٢] السبع. و من المحال أن يسلكهما معا. و من المحال أن يسلك الرّاجح؛ لأنّا فرضنا استواءهما [٣] فى جميع الأمور، فلا بدّ و إن يسلك أحدهما دون الآخر من غير مرجّح. و كذلك [٤] العطشان جدّا إذا خيّر بين القدحين [٥] من الماء يتساويان من جميع الوجوه، و الجائع جدّا إذا خيّر بين [٦] رغيفين يتساويان من جميع الوجوه، و ضربوا أمثلة كثيرة من هذا الجنس. قالوا: و لو احتيل في استخراج ما به يترجّح أحدهما على الآخر فليفرض [٧] الاستواء في كلّ تلك الأمور، فإنّ كلّ [٨] صفة حاصلة لأحد الشّيئين أمكن حصول مثلها للآخر. و لا يجوز أن يقال: المرجّح هو تعيّنه و تشخّصه الّذى لا يمكن أن يشاركه فيه غيره لأنّ متعلّق غرضه من المأكول و المشروب الماهيّة لا الشّخصيّة. فثبت بما ذكرنا أنّ الفعل لا يتوقّف على الدّاعى. و اعلم أنّ الكلام في هذه المراتب الأربعة كثير جدّا، و المباحث فيها عميقة، و لكنّا اكتفينا بهذا القدر لئلّا يطول الكتاب. و لنرجع إلى شرح المتن.
أمّا قوله: «و أمّا الحركات الاختياريّة فهى أشدّ نفسانيّة»
؛ فمعناه أنّ القوى النّباتيّة لمّا جعلها من القوى النّفسانيّة، مع أنّها تشبه القوى الطّبيعيّة في عدم الإدراك و الشّعور، فهذه القوى الاختياريّة أولى أن تكون نفسانيّة لما أنّها لا تحرّك إلّا مع الإدراك و الشّعور، و أمّا قوله: «و لها مبدأ عازم مجمّع»؛ فاعلم أنّ هذه إشارة إلى المرتبة الثّانية و هى العزم [٩] و الإجماع، و الإرادة الجازمة الخالية عن الفتور [١٠]. و أمّا قوله: «مذعنا و منفعلا عن خيال أو وهم أو عقل»
؛ فاعلم أنّ هذا إشارة إلى المرتبة الرّابعة [١١]. و أمّا قوله: ينبعث منها غضب أو شهوة
؛ فاعلم أنّ هذا إشارة إلى المرتبة الثّالثة [١٢]. و كأنّه قال:
العزم يتبع الخيال أو الوهم أو العقل حال ما يتبع أحد هذه الثّلاثة الشّهوة أو الغضب، و حينئذ يكون العزم بالحقيقة تابعا للشّهوة و الغضب، و هما تابعان للخيال أو الوهم أو العقل. و أمّا قوله: «فيطيع [١٣]
[١] - إلى الدّاعى: إلّا هذا الدّاعى مص.
[٢] - حتّى يفترسه: ليفترسه مص.
[٣] - من: «فرضنا استواءهما ...» إلى آخر هذا النّمط: مفقودة من نسخة ط.
[٤] - كذلك: كذا مج.
[٥] - إذا خيّر بين القدحين: إذا حضر بين يديه قدحين مج، و في الهامش بدل «حضر»: خيّر.: إذا خيّر بين شرب قدحين م.
[٦] - بين:+ أكل م.
[٧] - فليفرض: فنفرض مص.
[٨] - فإنّ كلّ: فإن كان م.
[٩] - العزم: العدم م.
[١٠] - الفتور: التّهوّر مج.
[١١] - الرّابعة: الثّالثة م.
[١٢] - المرتبة الثّالثة: الرّابعة م.
[١٣] - فيطيع: فطبع م.