شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٩١ - الفصل الثّالث و العشرون فى أقسام الاستحالة
صحّة تبرّد النّار؛ لأنّ الماء و النّار [١] مختلفان في الطّبيعة [٢]، فلا يلزم من صحّة اتّصاف أحدهما بكيفيّة الآخر صحّة اتّصاف الآخر بكيفيّة الأوّل [٣]؛ لأنّ المختلفتين لا يجب تساويهما في الحكم.
و الشّيخ لم يذكر ههنا و لا في شىء من كتبه دلالة على صحّة استحالة الرّطب يابسا، أو اليابس [٤] رطبا، بل قد اعترف في الشّفاء أنّ ذلك لم يصحّ بالدّلالة. و لا دلالة أيضا على صحّة استحالة النّار باردة، و الهواء صلبا، بل قد دلّ على أنّ النّار تصير أرضا على سبيل التّكوّن بمعنى أنّ الصّورة النّاريّة تزول [٥] و تحدث الصّورة الأرضيّة. و لكن لم يدلّ على أنّ النّار مع بقاء صورتها النّاريّة يمكن أن تزول عنها الحرارة و تحدث فيها البرودة، بل الّذى بيّنه ههنا صحّة صيرورة الماء حارّا مع بقاء الصّورة المائيّة. و فيه أيضا إشارة خفيفة [٦] إلى صحّة استحالة الحارّ باردا، و لكن أكثر الكلام في الصّورة الأولى.
ثمّ اعلم أنّ منكرى الاستحالة اتّفقوا على أنّ جرم الماء لم يتسخّن قطّ، بل الّذى يحسّ [٧] بحرارته أجزاء ناريّة مخالطة لتلك الأجزاء المائيّة. ثمّ إنّهم تحزّبوا بعد ذلك حزبين: فمنهم من زعم أنّ أجزاء ناريّة [٨] وردت على الماء فخالطته، فلمّا اختلطت الأجزاء الصغيرة جدّا من الحارّ و البارد أحسّ بالكلّ كأنّه حارّ. و منهم من زعم أنّ تلك الأجزاء النّاريّة كانت كامنة في جرم الماء و في الأشياء الأرضيّة الّتى تحترق [٩]، فلمّا برزت عن الكمون أحسّ بها. و الغرض من هذا الفصل إبطال القول الأوّل، و الشّيخ ذكر ههنا في إبطال ذلك وجوها خمسة [١٠]:
الأوّل؛ أنّ المحكوك، و المخلخل، و المخضخض قد يحمى من غير وصول [١١] ناريّة غريبة إليه. و اعلم أنّه لمّا أراد أن يبيّن أنّ الأرض و الماء قد يسخنان مع بقاء طبيعتيهما [١٢]، و كذلك الهواء قد يسخن فوق ما تستحقّه الطّبيعة [١٣] الهوائيّة، ذكر ألفاظا ثلاثة نبّه بها على هذه المطالب. فالمحكوك هو الجسم الصّلب الأرضىّ الّذى يماسّه جسم آخر كذلك مماسّة قويّة. فهذا الجسم قد يتسخّن، فدلّ
[١] - الماء و النّار: النّار و الماء م.
[٢] - الطّبيعة: طبيعتهما م، مص.
[٣] - بكيفيّة الأوّل: بكيفيّة الآخر مص.
[٤] - أو اليابس م.
[٥] - تزول:+ عنه م.
[٦] - خفيفة: خفيّة م، مج.
[٧] - يحسّ: يسخن مج.
[٨] - أجزاء ناريّة: الأجزاء النارية مج.
[٩] - تحترق: تحرق مص.
[١٠] - وجوها خمسة: ثابتة على الهامش س.
[١١] - وصول: عروض مص.
[١٢] - طبيعتيهما: طبيعتهما م.
[١٣] - الطّبيعة: لطبيعته م.
شرح الإشارات و التنبيهات (الفخر الرازي )، ج٢، ص: ١٩٢
على أنّ الأرض قد تسخّن من غير وصول ناريّة غريبة إليها. و أمّا المخلخل فقد علمت أنّ التّخلخل [١] قد يكون من باب الوضع و هو إنفشاش [٢] الأجزاء، و قد يكون من باب الكيف و هو رقّة [٣] القوام. و المراد بالمخلخل ههنا هذا [٤] الثّانى. فإنّ من ألحّ على الكير بالنفخ الكثير، و منع من وصول [٥] الهواء الغريب إليه، فإنّ ذلك الهواء يصير متخلخلا جدّا، و بسبب [٦] ذلك يسخن [٧] فوق ما تستحقّه [٨] الطّبيعة الهوائيّة. و أمّا المخضخض فهو الماء أو [٩] الجسم الّذى يغلب عليه الماء [١٠]، فإنّه إذا حرّك كثيرا تسخّن. فهذا هو الفائدة من هذه الألفاظ الثّلاثة.
الثّانى؛ و هو أنّا إذا سخنا ما بين متساويين في الرّقّة و الكدورة في إنائين: أحدهما متخلخل، و الآخر مستحصف، فلو كان تسخّن الماء عبارة عن نفوذ الأجزاء النّاريّة فيه، و معلوم أنّ نفوذ الأجزاء النّاريّة في الإناء المتخلخل أسهل من نفوذها [١١] فى الإناء المستحصف [١٢]، لكان تسخّن الماء الّذى فى الإناء المتخلخل قبل تسخّن [١٣] الماء الذى في الإناء [١٤] المستحصف [١٥]. و لكان نسبة تسخّن الماء الّذى في أحدهما [١٦] إلى الماء الّذى في الآخر كنسبة أحدهما إلى الآخر في التّخلخل و الاستحصاف.
فلمّا لم يكن كذلك، علمنا أنّ التّسخّن ليس [١٧] للنّفوذ.
الثّالث؛ و هو أنّا إذا ملأنا الإناء من الماء، و صممنا رأس الإناء صمّا [١٨] شديدا، و كان الإناء معدوم المنافذ، فهذا الإناء لا يخرج منه شىء من الأجزاء المائيّة، و إن خرج منه فإنّه يكون قليلا. و إذا كان كذلك امتنع أن يدخل فيه شىء من الأجزاء النّاريّة، ألّلهم إلّا أن يقال: الماء الّذى يكون فيه يصير مقداره أقلّ، و لكنّ المانعين من الاستحالة لا يقولون [١٩] بذلك. و إذا كان كذلك وجب في مثل هذا الإناء أن لا يسخن [٢٠] ما فيه من الماء، و إن تسخّن فإنّه يتسخّن قليلا. فلمّا لم يكن كذلك، بل كان
[١] - التّخلخل: المتخلخل م، مص.
[٢] - انفشاش: انتفاش مج.
[٣] - و هو رقّة: فصورته مج.
[٤] - هذا:- مص.
[٥] - وصول: دخول س، مج.
[٦] - بسبب: ليس مج.
[٧] - يسخن: يستحقّ مص.
[٨] - تستحقّه: تستحقّ مص.
[٩] - الماء أو: الماء و م.:- مص.
[١٠] - عليه الماء: الماء عليه م، مج.
[١١] - من نفوذها: و نفوذها مص.
[١٢] - المستحصف:+ أقلّ مص.
[١٣] - قبل تسخّن: قبل س.: أسرع من تسخّن مص.
[١٤] - المتخلخل أسرع ... فى الإناء:- م، مج.
[١٥] - المستصحف:+ أبطأ و أقلّ مج.:+ أيضا م.
[١٦] - الّذى في أحدهما: فى أحدهما م، مص.
[١٧] - ليس:- مص.
[١٨] - صممنا ... صمّا: ضممنا ... ضمّا م، مج.
[١٩] - لا يقولون: يقولون مص.
[٢٠] - لا يقولون ... لا يسخن: على الهامش بخطّ جديد م.