شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٦١٥ - الفصل الثّامن فى بيان احتياج المريد إلى الرّياضة و بيان أغراضها
فأمّا قوله تعالى: «خُذِ الْعَفْوَ، وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ، وَ أَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ» [١]؛ فهو و إن كان في غاية الحسن لاشتماله على مجامع الأخلاق الفاضلة، لكنّها [٢] لكونها [٣] متناولة لأحوال النّفس لا للأمور الإلهيّة [٤] لم يكن فيها من الرّوعة ما [٥] فى الآية الأولى. فظهر بما ذكرنا [٦] أنّه كيف ينبغى أن يكون الكلام بليغا حتّى يكون ملائما للنّفوس الفاضلة.
و أمّا كون النّغمة رخيمة، فقال صاحب الصّحاح: كلام رخيم أى رقيق. و إنّما يجب أن يكون كذلك لئلّا يقرع الدّماغ بقوّته [٧]، و لئلّا تشتغل النّفس به [٨] عن غيره، لأنّ النّفس يشتدّ اشتغالها بالمدركات القويّة و تذهل عن غيرها. ثمّ ههنا بحث و هو أنّ الملائم لكلّ نوع من الأعراض النّفسانيّة نوع مخصوص من الأصوات. قال السيّد [٩] الجرجانى: و قد يسكن الغضب بنقر أوتار الملاهى على الطّريقة الّتى تسمّى بردة [١٠] بوسليك [١١] و بردة نيسابور. و أمّا الخوف و الغمّ فيعالج بما يثير الغضب و [١٢] بنقر الأوتار في الطّريقة الّتى تسمّى بردة حسينى [١٣]. و أقول ممّا [١٤] لا شكّ فيه أنّ الإنسان تختلف أصواته عند اختلاف أحواله من [١٥] الغضب و الرّضاء و الفرح [١٦]، و لا شكّ أيضا في [١٧] أنّ عند سماع الأصوات المختلفة يختلف حال الإنسان في هذه الصّفات. و إذا ثبت ذلك، فالمريد [١٨] له مقامات مختلفة و درجات متباينة. فإن كان في مقام الخوف عن اللّه تعالى، و أردنا ازدياده فيه [١٩]، أسمعناه الألحان الشجيّة [٢٠]. و إن أردنا نقله إلى الرّجاء، أسمعناه الألحان المطربة [٢١]. و إن أردنا تقوية نفسه حتّى تصير مستعلية مستولية، أسمعناه الألحان المناسبة لذلك.
و أمّا كون القائل [٢٢] على سمت رشيد، فالمراد [٢٣] ظاهر. و الفرق بينه و بين كون القائل [٢٤] زكيّا [٢٥] [
[١] - خذ العفو ... الجاهلين: سورة ٧ (الاعراف)؛ آية ١٩٩.]
[٢] - لكنّها: لكنّ مج.
[٣] - لكونها:- س.
[٤] - الإلهيّة:+ فلا جرم س.
[٥] - ما: كما مج.
[٦] - بما ذكرنا: بما ذكرناه ط.: ممّا ذكرناه مج.
[٧] - بقوّته: بقوّة س.
[٨] - به:- م، مص.
[٩] - السيّد:+ الإمام س، مج.:- م.
[١٠] - بردة: ببردة ط.
[١١] - بوسليك: توسليك مص.: مهملة في ط، مج.
[١٢] - بما يثير الغضب و:- س.
[١٣] - حسينى: تجسنى مج.: حس ط.
[١٤] - ممّا:- ط، م، مص.
[١٥] - أحواله من: حواس مج.
[١٦] - الفرح: الفرع س.
[١٧] - فى:+ الذّهن ط.
[١٨] - فالمريد: فنقول المريد مج.
[١٩] - فيه:- س.
[٢٠] - الشجيّة: المشجية مص.: مهملة في مج.
[٢١] - الإلحان المطربة: إلحانا مطربة س.
[٢٢] - القائل: الفاعل مص.
[٢٣] - فالمراد:+ منه مج، مص.
[٢٤] - كون القائل: كونه ط.
[٢٥] - زكيّا: ذكيّا مص.