شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٦٠٨ - الفصل الثّامن فى بيان احتياج المريد إلى الرّياضة و بيان أغراضها
إلى الألوان المشرقة يمدّ الرّوح، و يفرّح القلب، و تنبسط [١] النّفس، لما [٢] أنّ النّور محبوب الرّوح و معشوقه. و النّظر إلى الألوان المظلمة يكدّر الرّوح، و يغمّ [٣] القلب. و لذلك يجب أن يكون مسكن المريد و ملبسه ملوّنا بالألوان المناسبة لتقوية الرّوح [٤] ليكون النّظر إليها متداركا لما [٥] حصل [٦] من الخلل بسبب شدّة الرّياضة. ثمّ إنّ تلك الألوان المشرقة لا ينبغى أن تكون نقوشا دقيقة مختلطة [٧]؛ لأنّ النّفس تشتغل بتأمّلها فيزيدها كلالا [٨]، و لذلك منع الأطبّاء من نظر المبرسمين [٩] إلى [١٠] النّقوش. و لمثل هذه العلّة كلّما كان اللّون أقرب إلى البساطة و الصّفاء [١١] كان أولى، و هو البياض اليقق. و لذلك [١٢] كان أحبّ الثّياب إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم البيض.
و اعلم أنّ الأجسام المبصرة [١٣] على قسمين: منها ما النّظر إليه يشوّق صاحبه إلى معرفة اللّه تعالى مع الأمان من ثوران [١٤] الشّهوة؛ و منها ما النّظر إليه يفيد معرفة اللّه تعالى لكن لا مع الأمان من [١٥] الشّهوة [١٦]. أمّا الأوّل فكالنّظر إلى السماء و الأرض و الجبال و البحار و المعادن. فإنّ الإنسان إذا تأمّل فيها، و اعتبر دقائق حكمة اللّه تعالى في تركيبها، خاض في بحر من المعرفة لا ساحل له؛ و يكون هو فى هذه الحالة آمنا من ثوران [١٧] الشّهوة و غوائل النّفس الأمّارة. و أمّا الثّانى فكالنّظر إلى المراكب و المواكب و الدّور و القصور و الولدان و الغلمان. فإنّ النّظر إليها يفيد معرفة حكمة [١٨] اللّه تعالى، لكن [١٩] لا مع الأمان عن غوائل النّفس. بل [٢٠] الأكثر ثوران [٢١] الشّهوة و انتعاش الطّبيعة عند مشاهدتها، و حدوث الميل إليها و الرّغبة في تحصيلها، و يصير ذلك قاطعا [٢٢] للمريد عن المطلوب. و لهذا السرّ قال اللّه تعالى: «أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ. وَ إِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ. وَ إِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ. وَ إِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ [٢٣]». فإنّ الاعتبار حاصل بالنّظر إلى هذه الأشياء مع الأمن عن غوائل الشّهوة.
[١] - تنبسط: ينشط ط، م.
[٢] - لما: كما س، ط.
[٣] - يغمّ: يعمى ط، م، مج.
[٤] - لتقوية الرّوح: لنقوم مج.
[٥] - لما: كما س، ط.
[٦] - حصل:+ بتأمّلها مج.
[٧] - مختلطة: مختلفة س.
[٨] - فيزيدها كلالا: فتزيد ملالا ط.
[٩] - المبرسمين: المترسمين م، مص [المبرسم: الّذى أصيب بالبرسام. و البرسام (طبّ): التهاب في الحجاب الّذى بين الكبد و القلب.]
[١٠] - إلى:- ط.
[١١] - الصّفاء:- س.
[١٢] - لذلك: كذلك م.
[١٣] - المبصرة:- ط، م.
[١٤] - ثوران: توارث مص.
[١٥] - من:+ ثوران ط، م.
[١٦] - و منها ما النّظر ... الشّهوة:- مج.
[١٧] - ثوران: توارث مص.
[١٨] - حكمة:- ط.
[١٩] - لكن:+ حكمة ط.
[٢٠] - بل: فإنّ ط.
[٢١] - ثوران: توارث مص.
[٢٢] - قاطعا: قطعا ط.
[٢٣] - و إلى السماء ... سطحت: إلى آخره ط.:- س. [أفلا ينظرون ... سطحت: سورة ٨٨ (الغاشية)؛ آية ٢٠- ١٧]