شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٦٠٧ - الفصل الثّامن فى بيان احتياج المريد إلى الرّياضة و بيان أغراضها
الإجمال قوله تعالى: «وَ نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى [١]». و أمّا على سبيل التّفصيل فهو أنّ المريد لا بدّ له من ترك الفضول و إصلاح الضّروريّات. أمّا الفضول فنحو الاستكثار [٢] من المشتهيات، سواء كان المشتهى مالا، أوجاها، أوصيتا، أو استعلاء على الغير، أو استكثارا من [٣] العلوم الّتى [٤] لا تكون مقرّبة إلى اللّه تعالى. و هذا مقام صعب لأنّ تلك اللّذّات حاضرة، و اللّذّة [٥] العقليّة غائبة. و أيضا فهذه [٦] اللّذّات [٧] مألوفة و اللّذّة العقليّة [٨] غير مألوفة، و الانفطام [٩] عن اللّذّة الحاضرة المألوفة رغبة في الغائبة غير [١٠] المألوفة [١١] لا شكّ أنّه شديد جدّا. و أمّا الضّروريّات فهى المحسوسات.
و أوّلها المذوقات. و الإستقراء دلّ على أنّ البطنه تذهب الفطنة و تزيل الرّقّة و تورث القسوة.
و القياس دالّ [١٢] عليه [١٣] أيضا؛ لأنّ كثرة المزاولة [١٤] سبب لحصول الملكات، فاشتغال [١٥] النّفس بتدبير الغذاء [١٦] من الخارج و الدّاخل شغل شاغل و أمر عائق لها عن الانصباب [١٧] إلى الجانب الآخر [١٨]. و أمّا الجوع الشّديد فهو يورث ضعف الأعضاء الرّئيسة و اختلالها، و ذلك يوجب تشويش النّفس و اضطراب الفكر و اختلال العقل، و كلّ ذلك مانع عن المقصود. فإذن لا بدّ من إصلاح أمر الغذاء، و ذلك بأن يكون قليل الكمّيّة كثير الكيفيّة. أمّا قليل الكمّيّة فلئلّا يمنعها اشتغالها [١٩] بالهضم عن التّوجّه إلى القبلة الأصليّة. و أمّا كثير الكيفيّة فليتدارك بقوّتها الخلل الحاصل من قلّة كميّتها [٢٠]. و يجب أن يكون إمداده [٢١] للأعضاء [٢٢] الرّئيسة شديدا جدّا، فإنّه ما دامت هذه الأعضاء باقية على كمال حالها لم يظهر كثير خلل من ضعف سائر الأعضاء.
و ثانيها المبصرات. و اعلم أنّ الألوان على قسمين: مشرقة كالخضرة النّاصعة و الحمرة الصّافية [٢٣] و الصّفرة الفاقعة و البياض اليقق؛ و مظلمة كالسّواد و الكحليّة و العوديّة و غيرها. و النّظر [
[١] - و نهى ... المأوى: سورة ٧٩ (النّازعات)؛ آية ٤٠]
[٢] - الاستكثار: الاستكبار م، مج.
[٣] - استكثارا من: الاستكبار عن مج.
[٤] - الّتى: الإلهى مص.
[٥] - اللذّة: اللذّات س.
[٦] - فهذه: فإنّ هذه ط.
[٧] - اللذّات: اللذّة س.
[٨] - اللذّة العقليّة:- ط.
[٩] - الانفطام: الانقطاع مج.
[١٠] - غير: الغير مج.: عن ط.
[١١] - الانفطام ... غير المألوفة:- س.
[١٢] - دالّ: دلّ ط، م، مص.
[١٣] - عليه:- ط.
[١٤] - المزاولة: المراد له مص.
[١٥] - فاشتغال: و اشتغال م، مج.
[١٦] - الغذاء: غذاء البدن س.
[١٧] - الانصباب: الاتّصال مص.
[١٨] - الآخر:- ط.
[١٩] - اشتغالها: باشتغالها مص.
[٢٠] - كميّتها: كميّته س.
[٢١] - إمداده: امتداده مج.
[٢٢] - للأعضاء: الأعضاء س.
[٢٣] - كالخضرة النّاصعة و الحمرة الصّافية: كالحمرة النّاصعة و الخضرة النّاصعة س.: كالحمرة النّاصعة و الخضرة مص.