شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٥٩٠ - الفصل الأوّل فى بيان شرف مرتبة العارفين و لعلوّ درجتهم في الحياة الدّنيا فضلا عن الآخرة
هم في جلابيب من أبدانهم قد نضوها و تجرّدوا عنها إلى عالم القدس. و لهم أمور خفيّة فيهم، و أمور ظاهرة عنهم، يستنكرها من ينكرها، و يستكبرها من يعرفها؛ و نحن نقصّها عليك.
و إذا قرع سمعك [١] فيما يقرعه و سرد عليك فيما تسمعه قصّة لسلامان و إبسال، فاعلم أنّ سلامان مثل ضرب لك، و أنّ إبسالا مثل ضرب لدرجتك في العرفان إن كنت من أهله [٢]. ثمّ حلّ الرّمز إن أطقت.
التّفسير: الجلباب: الملحفة؛ و [٣] نضافلان ثوبه إذا خلعه. و قد عرفت أنّ الغرض من هذا الفصل بيان إجمالىّ لشرف مرتبة العارفين و لعلوّ درجتهم في الحياة الدّنيا فضلا عن الآخرة. فقال: إنّ لهم مقامات و درجات هم مختصّون بها دون غيرهم في الحياة الدنيا. فكأنّهم عند كونهم في جلابيب من أبدانهم قد نضوها و تجرّدوا عنها، أى [٤] أنّ [٥] نفوسهم لقوّتها و كمالاتها [٦] صارت كالمجرّدة [٧] المفارقة الذّاهبة إلى عالم القدس عن أبدانها حال كونها بدنيّة.
ثمّ قال: «و لهم أمور خفيّة فيهم»
؛ و المراد بها السعادات المتعلّقة [٨] بأحوالهم النّفسانيّة [٩]. «و أمور ظاهرة عنهم»؛ و هى الآثار [١٠] الصّادرة عن تلك الكمالات النّفسانيّة من المعجزات و الكرامات [١١]. «و هذه الأمور يستنكرها من ينكرها و يستعظمها من يعرفها، و نحن نقصّها عليك [١٢]»؛ أى نحن نذكر لك [١٣] تلك الأحوال في هذا الباب [١٤].
«فإذا قرع سمعك فيما يقرعه»
إلى آخره؛ فاعلم أنّ قصّة [١٥] سلامان و إبسال [١٦] ليست من الأمور العقليّة الّتى يتمكّن العقل وحده من الاهتداء إليها [١٧] و الوصول إلى معرفتها [١٨]، كالأحاجى، فإنّ المذكور منها [١٩] صفات يكون [٢٠] مجموعها مختصّا [٢١] بشىء واحد، إلّا أنّ اختصاصها بذلك الواحد بعيد عن الفهم [٢٢]؛ فلا جرم يكون [٢٣] العقل متمكّنا من الاستدلال بتلك الصّفات على ذلك
[١] - سمعك: سمعها مص.
[٢] - إن كنت من أهله:- م.
[٣] - و:- ط، م، مص.
[٤] - أى: إلى مص.
[٥] - أنّ:- س.
[٦] - كمالها: كمالاتها م، مص.
[٧] - كالمجرّدة: كالمتجرّدة م، س.
[٨] - المتعلّقة: المتّصلة س.
[٩] - النفسانيّة: النفسيّة ط.
[١٠] - الآثار: الأشياء س.
[١١] - الكرامات:+ و نحن نفصّلها ط.
[١٢] - عليك:- ط، م.
[١٣] - لك:- ط، م.
[١٤] - الباب: الكتاب س.
[١٥] - قصّة:- س.
[١٦] - إبسال: إبسالا ط، س، م.: إنسان مج.
[١٧] - إليها: عليها م.
[١٨] - معرفتها:+ بل هى مص.
[١٩] - منها: فيها ط، م.: فيه مص.
[٢٠] - يكون:+ فيها م.
[٢١] - مختصّا: مختلفا ط.
[٢٢] - الفهم: الوهم مج.
[٢٣] - يكون: لا يكون م.