شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٥٨٧ - الفصل الثّامن عشر فى بيان مراتب الموجودات المجرّدة
اشتراكها في الأحكام، فلم قلتم [١]: إنّه لمّا كان إدراكنا للأشياء الكامله [٢] يوجب كوننا محبّين لها، يلزم أن يكون إدراكه تعالى لذاته يوجب كونه تعالى محبّا لذاته؟ فهذا ما في هذه المسئلة [٣].
ثمّ قالوا: و كما [٤] أنّه سبحانه مبتهج بذاته، فكلّ من عرفه لا بدّ و أن يكون مبتهجا به. لكن كلّ من كان إدراكه له [٥] أتمّ [٦] كمالا، كان ابتهاجه به أشدّ. فلا جرم كان ابتهاج الملائكة [٧] على قدر مراتبهم في العلم به تعالى، و كذا [٨] القول في النّفوس البشريّة.
المرتبة الثّانية؛ مرتبة العقول المجرّدة، و هى مبتهجة بالبارى تعالى، و بأنفسهم أيضا لما فيها من الكمالات الحاضرة.
المرتبة الثّالثة؛ النّفوس البشريّة المستغرفة في محبّة اللّه، على ما سيأتى تفصيل درجاتها في المعرفة في النّمط التّاسع.
المرتبة الرّابعة؛ النّفوس البشريّة [٩] المتردّدة بين جهتى الرّبوبيّة و السفالة [١٠].
المرتبة الخامسة؛ النّفوس المستغرقة في محبّة العلائق الجسمانيّة.
و اعلم أنّه فرق بين العشق و الشّوق. فالعشق هو الابتهاج بتصوّر موجود كامل من حيث هو كامل [١١]. و أمّا الشّوق فلا [١٢] يحصل إلّا عند الوصول من وجه، و الغيبة من وجه. فإنّ من تخيّل معشوقه، فذلك المعشوق حاضر عند الخيال؛ لكنّه غائب عن الحسّ. فلأجل الحضور عند الخيال يحصل نوع لذّة و طلب [١٣]، و لأجل الغيبة عن الحسّ يحصل نوع ألم. فيحصل هناك لذّات و آلام متعاقبة ممتزجة، و اللّذّة إذا حصلت عقيب الألم كان الشّعور بها أتمّ، و الابتهاج بها [١٤] أشدّ. و إذا عرفت ذلك [١٥]، فالشّوق على واجب الوجود و على العقول المفارقة محال، بل هو من خواصّ النّفوس البشريّة.
[١] - فلم قلتم: فلئن قلتم س.
[٢] - الكاملة: الحاصلة مج.
[٣] - و لقائل أن يقول أتدّعون ... هذه المسئلة:- م.
[٤] - و كما:- س.
[٥] - له:- مص.: لكماله مج.
[٦] - أتمّ: أشدّ ط، م.
[٧] - الملائكة:+ به م، مج، مص.
[٨] - كذ: كذلك م.
[٩] - النّفوس البشريّة:- س.
[١٠] - السفالة: السفالية ط.: السعادة مص.
[١١] - موجود كامل: كامل لموجود كامل س.
[١٢] - فلا: فإنّه لا س.
[١٣] - لذّة و طلب: لذّة ما س.
[١٤] - بها:- ط.
[١٥] - ذلك: هذا م، مص.