شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٥٨٦ - الفصل الثّامن عشر فى بيان مراتب الموجودات المجرّدة
و بعد المرتبتين مرتبة العشّاق [١] المشتاقين. فهم من حيث هم عشّاق قد نالوا نيلا ما، فهم ملتذّون. و من حيث هم مشتاقون فقد يكون لأصناف [٢] منهم أذى ما [٣]، و لما كان الأذى من قبله كان أذى لذيذا. و قد يحاكى مثل هذا الأذى من الأمور الحسّيّة محاكاة بعيدة جدّا حال أذى الحكّة و الدّغدغة، فلربّما خيّل ذلك شيئا بعيدا منه [٤]. و مثل هذا الشّوق مبدأ حركة ما، فإن كانت تلك [٥] الحركة مخلّصة إلى النّيل بطل الطّلب، و حقّت البهجة. و النّفوس البشريّة إذا نالت الغبطة العليا في حياتها الدّنيا، كان أجلّ أحوالها أن تكون عاشقة مشتاقة لا تخلص عن علاقة الشّوق، ألّلهم إلّا في الحياة الأخرى.
و تتلو هذه النّفوس نفوس أخرى [٦] بشريّة متردّدة بين جهتى الرّبوبيّة و السفالة على درجاتها [٧].
ثمّ تتلوها النّفوس المغموسة في عالم الطّبيعة [٨] المنحوسة الّتى لا مفاصل لرقابها المنكوسة.
التّفسير: مراتب الموجودات المجرّدة خمس [٩]:
فالمرتبة الأولى؛ الموجود المجرّد عن العلائق الجسمانيّة، الواجب الوجود لذاته. و هو مبتهج بذاته [١٠] لذاته؛ لأنّ ادراك الكامل من حيث أنّه [١١] كامل يقتضى حبّ ذلك الكامل و عشقه. و لمّا كان هو تعالى أكمل الموجودات، و إدراكه لكمال نفسه [١٢] أقوى [١٣] الإدراكات [١٤]، وجب أن يكون حبّه تعالى لذاته كاملا [١٥]. و هذا [١٦] هو المراد من قول الحكماء أنّه تعالى عاشق و معشوق.
و لقائل أن يقول: أتدّعون أنّ حبّ الشّىء للشّىء هو [١٧] نفس إدراكه له، أو تعترفون بكونه مغايرا له [١٨]. لكنّكم [١٩] تزعمون أنّ إدراك الكامل من حيث هو [٢٠] كامل، يوجب حبّ ذلك الكامل [٢١].
فإن كان الأوّل، كان الاستدلال بالإدراك [٢٢] على الحبّ استدلالا بالشّىء على نفسه. و إن كان الثّانى، فنقول: إنّ إدراكه تعالى لكمال نفسه [٢٣] مخالف لإدراك غيره لسائر الكمالات، و المختلفات لا يجب
[١] - العشّاق:+ و م.
[٢] - لأصناف: لانصاف م.
[٣] - أذى ما: أذى س.
[٤] - شيئا بعيدا منه: شيئا منه بعيدا س.
: منه شيئا بعيدا م.
[٥] - تلك:- م.
[٦] - أخرى:- س، م.
[٧] - درجاتها: درجاتهما مص.
[٨] - الطّبيعة:- م.
[٩] - خمس:- ط.
[١٠] - بذاته:- س.
[١١] - أنّه: هو ط.
[١٢] - لكمال نفسه: لنفسه م.: لنفسه و كمال نفسه ط.:- مج.
[١٣] - أقوى: أكمل ط.
[١٤] - الإدراكات:- س.
[١٥] - كاملا: كذلك م:- ط.
[١٦] - و هذا:- ط، مج.
[١٧] - هو:- ط.
[١٨] - له:- ط.
[١٩] - لكنّكم: إلّا أنّكم س.
[٢٠] - هو: إنّه س.:- ط.
[٢١] - الكامل: للكامل ط.
[٢٢] - بالإدراك: بالعرفان س.
[٢٣] - لكمال نفسه:- مص.