شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٥٦١ - الفصل السابع و العشرون فى بيان أنّه إذا كان الكلّ بقضاء اللّه و قدره فلا يكون الإنسان فاعلا للشىء من الأفعال، فكيف يجوز تعذيبه و عقابه؟ و الجواب عنه
لفت الجزء لأجل الكلّ؛ فيقطع عضو [١] يؤلم لأجل البدن بكلّيّته ليسلم. و أمّا ما يورد من حديث الظّلم و العدل [٢]، و من حديث أفعال يقال إنّها من الظّلم، و أفعال مقابلة لها، و وجوب ترك هذه و الأخذ بتلك، على أنّ ذلك من المقدّمات الأوّليّة، فغير واجب وجوبا كلّيّا، بل أكثره من المقدّمات المشهورة الّتى جمع عليها ارتياد المصالح. و لعلّ فيها ما يصحّ بالبرهان بحسب بعض الفاعلين. و إذا حقّقت الحقائق، فليلتفت إلى الواجبات دون أمثالها. و أنت قد عرفت أصناف المقدّمات في موضع آخر.
التّفسير: قال صاحب الصّحاح: يقال [٣]: لا يلتفت لفت فلان، أى لا ينظر [٤] إليه. ثمّ نقول [٥]:
السؤال ظاهر، و هو أنّه إذا كان الكلّ بقضاء اللّه و قدره فلا يكون الإنسان فاعلا لشىء من الأفعال، فكيف يجوز تعذيبه و عقابه؟
و أجاب عنه من وجهين:
أحدهما؛ الجواب المستقيم على أصول الفلاسفة، و هو أنّ العقاب من لوازم الأحوال النّفسانيّة الّتى اكتسبها الشّخص في الدّنيا. فإنّه لمّا اكتسب العقائد الباطلة و الأخلاق الرّديئة، و هذه الأشياء توجب العذاب الشّديد [٦] عند انقطاع النّفس عن البدن، لا جرم حصل ذلك العذاب على سبيل الضّرورة؛ كالمرض فإنّه لازم للتّدبيرات الرّديئة السالفة.
و ثانيهما؛ أن نقول [٧]: إنّ اللّه تعالى يختار [٨] تعذيب المكلّف؛ و هذا لا يتأتّى [٩] إلّا مع القول بالفاعل المختار، و الفلاسفة لا يقولون به. و هذا هو المراد من قوله: «و أمّا أن يكون على جهة أخرى من مبدأ [١٠] له من خارج [١١]، فحديث آخر»؛ ثمّ إنّه إن قرّر الجواب بناء [١٢] على هذا الأصل، و قال: الوجه فى حسنه أنّه كان يجب أن يكون التّخويف موجودا فيما بيننا [١٣] لأنّه لو لا خوف العقاب لما انزجر الخلق عن القبائح. و التّصديق مؤكّد للتّخويف [١٤]. فلهذا الغرض حسن منه [١٥] تعالى [١٦] التّعذيب، لأنّه و
[١] - عضو:+ و م، مص.
[٢] - و العدل:- م.
[٣] - يقال:- ط.
[٤] - لا ينظر: لا يلتفت ط.
[٥] - نقول:+ هذا مص.
[٦] - الشّديد:- ط، م.
[٧] - أن نقول: أن يقال مج.: أن يقول م.:- مص.
[٨] - يختار: مختار في س.
[٩] - لا يتأتّى: لا ينافى مج.
[١٠] - مبدأ: مبتدأ س، مص.
[١١] - مبدأ له من خارج: مبدأ خارج ط.: مبدأ النّفس خارج مج.
: مبدأ من خارج م.
[١٢] - بناء:- س.
[١٣] - بيننا: بينا ط، مص.
[١٤] - مؤكّد للتّخويف: يؤكّد لهذا التّخويف ط.
[١٥] - منه: من مص.
[١٦] - تعالى: فعل س.:- ط.