شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٥٦٠ - الفصل السابع و العشرون فى بيان أنّه إذا كان الكلّ بقضاء اللّه و قدره فلا يكون الإنسان فاعلا للشىء من الأفعال، فكيف يجوز تعذيبه و عقابه؟ و الجواب عنه
جعلت غير النّار، و الماء غير الماء. و ترك وجود هذا القسم و هو على صفته المذكورة غير لائق بالجود على ما بيّنّاه [١].
التّفسير: هذا سؤال ثان على القاعدة المذكورة في كيفيّة دخول الشّرّ في القضاء الإلهىّ. و هو أنّه تعالى لم لم يبرأ [٢] الخير الكثير عن ذلك الشّرّ القليل؟ و الجواب: أنّ الّذى يمكن أن يكون خيرا خالصا [٣] هو القسم الأوّل، و ذلك قد وجد [٤]. و بقى في التّقسيم قسم آخر، و هو الّذى لا ينفكّ عن شرّ ما ألبتّة و لكن خيره غالب على شرّه. فهذا القسم لو برأه عمّا فيه من الشّرّ لما كان هذا القسم، بل صارعين [٥] القسم الأوّل. لكنّا قد دللنا على أنّ هذا القسم الثّانى [٦] يجب في الحكمة إيجاده، و لا يليق بالجواد إهماله.
[الفصل السابع و العشرون [فى بيان أنّه إذا كان الكلّ بقضاء اللّه و قدره فلا يكون الإنسان فاعلا للشىء من الأفعال، فكيف يجوز تعذيبه و عقابه؟ و الجواب عنه]]
وهم و تنبيه: و لعلّك تقول أيضا: إن [٧] كان القدر فلم العقاب؟ فتأمّل جوابه: أنّ العقاب للنّفس على خطيئتها، كما ستعلم، هو كالمرض للبدن على نهمه. فهو لازم من لوازم ما ساق [٨] إليه الأحوال الماضية الّتى لم يكن [٩] من وقوعها بدّ، و لا [١٠] من وقوع ما يتبعها. و أمّا أن يكون على جهة أخرى من مبدأ [١١] له من [١٢] خارج، فحديث آخر. ثمّ إذا سلّم معاقب من خارج فإنّ ذلك أيضا يكون حسنا، لأنّه قد كان يجب أن يكون التّخويف موجودا في الأسباب الّتى تثبت، فتنفع في الأكثر. و التّصديق تأكيد للتّخويف. فإذا عرض من أسباب القدر أن عارض [١٣] واحد مقتضى [١٤] التّخويف و الاعتبار، فركب الخطأ [١٥] و أتى بالجريمة، وجب التّصديق لأجل الغرض العامّ، و إن كان غير ملائم لذلك الواحد. و لا واجبا من مختار رحيم، لو لم يكن هناك إلّا جانب المبتلى بالقدر، و لم يكن في المفسدة الجزئيّة له [١٦] مصلحة كلّيّة عامّة كثيرة. لكن لا يلتفت لفت الجزئىّ لأجل الكلّى، كما لا يلتفت
[١] - بيّنّاه: بيّنّا مص.
[٢] - لم لم يبرأ: لم يبرا ط.: لما يبرا م.: لم يزد مج.: لم لم يميّز مص.
[٣] - خالصا: حاصلا ط.
[٤] - وجد: وجده م.
[٥] - صارعين: كان غير م.
[٦] - الثّانى:- ط، م.
[٧] - إن: فإن مج، مص.
[٨] - ساق: شاق م.
[٩] - لم يكن: لا بدّ م.
[١٠] - بدّ و لا: لا بدّ م.
[١١] - مبدأ: مبتدأ س، مص.
[١٢] - من:- س.
[١٣] - عارض: عرض مص.
[١٤] - عارض واحد مقتضى: وجد عارض واحد يقتضى م.
[١٥] - الخطأ: الخطايا م.
[١٦] - له:- س.