شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٣٨٣ - الفصل التّاسع و العشرون فى بيان ترجيح الطّريق الّذى سلكه الشّيخ في هذا الكتاب على طريقة المتكلّمين في إثبات الواجب تعالى و صفاته
[الفصل التّاسع و العشرون [فى بيان ترجيح الطّريق الّذى سلكه الشّيخ في هذا الكتاب على طريقة المتكلّمين في إثبات الواجب تعالى و صفاته]]
تنبيه [١]: تأمّل كيف لم يحتج بياننا لثبوت الأوّل، و وحدانيّته، و برائته عن الصّمات [٢] إلى تأمّل لغير نفس [٣] الوجود، و لم يحتج إلى اعتبار من خلقه و فعله، و إن كان ذلك دليلا عليه. لكن هذا الباب أوثق و أشرف، أى إذا اعتبرنا حال الوجود، فشهد به الوجود من حيث هو وجود، و هو يشهد بعد ذلك على سائر ما بعده في الوجود. و إلى مثل [٤] هذا أشير في الكتاب الإلهى: «سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ، حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ» أقول إنّ [٥] هذا حكم لقوم ثمّ يقول: «أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ؟» [٦] أقول: إنّ هذا حكم للصّدّيقين الّذين يستشهدون به لا عليه.
التّفسير: من النّاس من أثبت حدوث [٧] العالم أو [٨] إمكانه، ثمّ استدلّ به على وجود الصّانع سبحانه. و هذا الطّريق و إن كان جيّدا، لكنّ الطّريق الّذى سلكه في هذا الكتاب أجود. لأنّه اعتبر حال الوجود، فقال: لا شكّ أنّ ههنا موجودا [٩]، و كلّ موجود إمّا واجب و إمّا ممكن. فإن كان واجبا فقد ثبت واجب الوجود. و إن كان ممكنا، افتقر إلى [١٠] الواجب. فلا بدّ من الواجب على كلّ حال. ثمّ قلنا: إنّ الواجب واحد، و إذا كان كذلك كان منزّها عن جهات الكثرة، و [١١] أن لا يكون جسما و لا جسمانيّا. و يلزم من الأمرين أن يكون العالم [١٢] المحسوس بما فيه من الجواهر و الأعراض ممكنا. و يلزم من مجرّد كونه غير جسم و لا جسمانىّ [١٣] كونه [١٤] عاقلا و معقولا. و [١٥] من وحدته أن يكون الصّادر [١٦] عنه واحدا، و أن يكون ذلك الصّادر عقلا، و أن يكون العالم [١٧] واحدا. فبهذا الطّريق صارت ذات البارى تعالى و صفاته معلومة من غير حاجة إلى اعتبار أفعاله تعالى. ثمّ استشهد بالآية الّتى ذكرها على ترجيح هذه الطّريقة، و الكلام فيها ظاهر. و باللّه التّوفيق [١٨].
[١] - تنبيه: إشارة مج.
[٢] - الصّمات: السمات مص.: الضّمان م.
[٣] - نفس: على الهامش س.
[٤] - مثل:- م.
[٥] - إنّ:- مص.
[ (٦) - الآية: سورة ٤١ (فصّلت) آية ٥٣]
[٧] - حدوث: بحدوث مص.
[٨] - أو: و س، مج.
[٩] - موجودا:+ ما ط.
[١٠] - إلى:- مص.
[١١] - و:+ لزم مج.
[١٢] - العالم:- ط.
[١٣] - لا جسمانىّ: لا جسما مص.
[١٤] - كونه:+ عقلا و س.
[١٥] - و: يلزم مص.
[١٦] - الصّادر:+ الأوّل ط، م، مج.
[١٧] - العالم: العاقل ط.
[١٨] - و باللّه التّوفيق:- ط، مص.