شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٣٧٨ - الفصل الرّابع و العشرون فى بيان تنزيهه تعالى عن أن يكون مركّبا من الجنس و الفصل
ثمّ قدّم لذلك مقدّمة و هى أنّ حقيقته تعالى لا تساوى [١] حقيقة شىء آخر ألبتّة؛ لأنّ ما عداها من الحقائق مقتضية للإمكان، و حقيقته تعالى منافية للإمكان [٢]. و اختلاف اللّوازم يكشف عن اختلاف الملزومات.
و أمّا قوله: «و أمّا الوجود فليس بماهيّة لشىء، و لا جزءا [٣] من ماهيّة شىء [٤]، أعنى [٥] الأشياء الّتى لا يدخل الوجود في مفهومها [٦]، بل هو طارىء عليها»
؛ فاعلم أنّ هذا الكلام كأنّه جواب عن سؤال من يقول: إنّك ذكرت أنّ حقيقته تعالى لا تساوى [٧] حقيقة غيرها ألبتّة، و هذا لا يستقيم على قولك، لأنّ من [٨] مذهبك أنّ الوجود [٩] الواجب يساوى الوجود [١٠] الممكن في كونه وجودا. ثمّ إنّه ليس مع ذلك الوجود شىء آخر، بل ذاته تعالى مجرّد الوجود. و إذا كان كذلك، كان وجود جميع أشخاص [١١] الممكنات مساويا في تمام الحقيقة لتمام ذاته تعالى. ثمّ أجاب عنه: بأنّ الوجود في الممكنات ليس نفس حقائقها [١٢]، بل هو أمر عارض [١٣] لماهيّاتها [١٤].
و هذا الجواب في غاية الضّعف، لأنّه يقال: هب أنّ الوجود عارض لماهيّات [١٥] الممكنات، و لكن كونه عارضا لا يخرجه عن كونه في نفسه ماهيّة؛ لأنّ المعروض كما أنّ له ماهيّة فكذلك العارض له أيضا ماهيّة. و إذا كان كذلك، كان لحقيقة البارى تعالى أمور كثيرة تساويها في تمام حقيقتها.
و أيضا فنقول: إنّك استدللت على كون ماهيّته تعالى مخالفة لسائر الماهيّات بأنّ ماهيّته تعالى تقتضى الوجوب، و سائر الماهيّات تقتضى الإمكان. فنقول أيضا: فذاته تعالى تقتضى الوجوب و القيام بالنّفس، و وجودات الممكنات تقتضى الإمكان و الافتقار إلى الغير. فإن كان الاستدلال بالاختلاف في اللّوازم على اختلاف الملزومات [١٦] صحيحا، وجب القطع بأنّ ذات اللّه [١٧] تعالى غير
[١] - لا تساوى: لا تشارك مج.
[٢] - للإمكان: الإمكان م.
[٣] - و لا جزءا: و الأجزاء م.
[٤] - ماهيّة شىء: ماهيّته ط.: ماهيّة م.
[٥] - أعنى: غير مج.
[٦] - مفهومها: مفهوماتها س.
[٧] - لا تساوى: لا تشارك مج.
[٨] - من:- س.
[٩] - الوجود: وجود مج، مص.
[١٠] - الوجود: وجود مج، مص.
[١١] - أشخاص: الأشخاص مج.
[١٢] - حقائقها: حقيقتها س.
[١٣] - هو أمر عارض: هى أمور عارضة ط، م، مج.
[١٤] - لماهيّاتها: لماهيّتها س.
[١٥] - لماهيّات: لماهيّاتها مج.
[١٦] - اختلاف الملزومات: الاختلاف في الملزومات س.: الاختلاف بالملزومات ط.
[١٧] - ذات اللّه: ذاته ط.