شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٥ - الفصل السادس الدّليل على إثبات الهيولى من جهة عروض الانفصال و الاتّصال عليها
التّفسير: المقصود من هذا الفصل بيان أنّ [١] الجسميّة حالّة في محلّ، و أنّ الجسم مركّب من ذلك الحالّ و ذلك المحلّ. و الحجّة فيه: أنّ الجسم لمّا ثبت أنّه غير متألّف من الأجزاء [٢]، بل هو شىء واحد في نفسه. و لا شكّ أنّه قد يعرض له انفصال [٣]؛ و ليس الانفصال عبارة عن تفرّق الأجزاء [٤] بعد أن كانت مجتمعة، لأنّ ذلك بناء على كون الجسم متألّفا من الأجزاء، و قد مرّ إبطاله، بل هو عبارة عن زوال الاتّصال الّذى كان حاصلا. و هذا الانفصال كان قبل حصوله ممكن الحصول؛ فإمكان [٥] عروض الانفصال كان حاصلا قبل [٦] حصول الانفصال. فيكون إمكان الانفصال؛ مغايرا لا محالة للانفصال. و ذلك الإمكان يستدعى محلّا، و ليس محلّه الاتّصال، لأنّه لا معنى لكون الشّىء موصوفا بإمكان حدوث شىء فيه إلّا كونه ممكن الاتّصاف بذلك الشّىء. لكنّ الاتّصال يستحيل أن يتّصف بالانفصال؛ لأنّه يزول [٧] عند طريانه. فإذن محلّ إمكان الانفصال شىء سوى الاتّصال، و هو الّذى يكون محلّا للاتّصالين المتجدّدين عند طريان الانفصال. فثبت أنّ الاتّصال الجسمى موجود في محلّ، و هو المسمّى بالهيولى.
و ههنا شكّ و هو: أنّ الجسم قبل الانفصال كان واحدا، و بعد الانفصال صار جسمين.
فالزّائل هو الوحدة، و الطّارى هو الإثنينيّة. و هما [٨] عرضان، و محلّهما [٩] الجسم. فهذه الحجّة تفتضى كون الوحدة و التّعدّد مغايرين [١٠] للجسم متعاقبين عليه، فيكون المحلّ هو الجسم، و الحالّ هو الوحدة و التّعدّد. و ممّا يقرّر ذلك أنّ الجسم بعد ورود الانفصال عليه لا يخرج عن كونه جسما.
فعلمنا أنّ الّذى زال عند الانفصال شىء سوى الجسميّة.
و اعلم أنّ هذا الشكّ أنّما ينحلّ بتحرير البرهان على الوجه الملخّص و هو أن نقول: الجسم الّذى يرد عليه الانفصال فإنّه تزول عنه الجسميّة الّتى كانت موجودة فيه، و تحدث فيه جسميّتان أخريان. و متى كان كذلك، كانت الجسميّة [١١] موجودة في محلّ.
و بيان الصغرى أنّ الجسم بعد ورود الانفصال عليه صار جسمين، و حصلت هناك جسميّتان.
[١] - بيان أنّ:+ الصّورة م.
[٢] - من الأجزاء:- مج.
[٣] - انفصال: اتّصال م.
[٤] - الأجزاء:+ بل عبارة عن عدم الاجتماع مج.
[٥] - فإمكان: و إمكان مج.
[٦] - قبل: قبول م.
[٧] - يزول: زوال مص.
[٨] - هما: هو مج.
[٩] - محلّهما: يحلّهما مج.
[١٠] - مغايرين: مساويين مج.
[١١] - كانت الجسميّة: فالجسميّة مص.