شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢١٢ - الفصل الخامس فى بيان أنّ الحركة الاراديّة للانسان و إدراكه ليست لجسميّته و لا لمزاج بدنه بل هما من أفعال نفسه، فالنّفس غير الجسميّة و المزاج
فهذا [١] هو الاستدلال بالقوّة المدركة على أنّ النّفس ليست بمزاج.
و إمّا المأخذ الثّانى؛ و هو الاستدلال بحال المزاج على أنّه ليس هو النّفس، فالدّليل عليه أنّ المزاج كيفيّة ثابتة للعناصر المختلطة، و لكلّ عنصر حيّز معيّن، فإذنّ كلّ مركّب أجزائه مشتاقة بالطّبع إلى الافتراق، فلا بدّ لا جتماعها [٢] من جامع. و ذلك الجامع ليس هو الكيفيّة الحاصلة [٣] بعد اجتماعها؛ لأنّ المزاج يحصل بعد اجتماع تلك الأجزاء [٤]، و الجامع لتلك الأجزاء سابق على اجتماعها، و الشّىء الواحد لا يكون قبل و بعد، فالنّفس الّتى هى الجامعة لتلك الأجزاء غير المزاج الّذى يحصل بعد اجتماعها.
فإن قيل: كما أنّ المزاج لا يحدث إلّا بعد اجتماع العناصر، فالنّفس لا تحدث و لا تفيض عن واهب الصّور إلّا بعد حدوث المزاج. فإذا لم يجز أن يكون المزاج علّة لذلك [٥] الاجتماع فلأن [٦] لا يجوز أن يكون الجامع هو النّفس، مع أنّ النّفس متأخّرة في الوجود عن وجود المزاج، كان أولى.
فنقول: الجامع [٧] لما في النّطفة من الأجزاء المختلفة الطّبائع نفس الولدين، ثمّ إنّه يبقى ذلك المزاج في تدبير نفس الأمّ إلى أن يستعدّ لقبول نفس من [٨] واهب الصّور، ثمّ إنّها تصير بعد ذلك حافظة لذلك الاجتماع الّذى كان موجودا. فنفس كلّ إنسان حافظة لا جتماع العناصر الّتى جمعها نفس الأبوين، ثمّ إنّها تكون جامعة لسائر الأجزاء بعد ذلك بطريق إيراد الغذاء.
و لقائل أن يقول: إذا جوّزتم ذلك، فلم لا يجوز أن يكون الجامع لأجزاء بدن الولد [٩] مزاج الأبوين؟ ثمّ إذا اجتمعت تلك الأجزاء و حصل المزاج، فحينئذ يكون ذلك المزاج حافظا لذلك الاجتماع، و موردا عليه سائر الأجزاء بطريق الغذاء.
فثبت بهذه الوجوه أنّ النّفس ليست هى الجسم، و لا مزاج الجسم، و لا ما يتبع مزاج الجسم من الأعراض. بل هى [١٠] شىء حافظ جامع لأجزاء العناصر متقدّم على المزاج. ثمّ إنّها قد تكون حالّة في الأجسام كما في الحيوانات، و قد لا تكون كما في الإنسان. و ذلك نظر آخر. و لنرجع إلى شرح المتن.
أمّا قوله: «هو ذا يتحرّك الإنسان [١١] بشىء غير جسميّته»؛ فاعلم أنّ المراد منه الدّلالة على أنّ
[١] - فهذا: فهذه مص.
[٢] - لاجتماعها: لاجتماعهما م، مص.
[٣] - الحاصلة:- مص.
[٤] - الأجزاء: الأخرى مص.
[٥] - لذلك: لذلك مج.
[٦] - فلأن: فلئن م.
[٧] - الجامع: المانع س.
[٨] - من: عن س، ط.
[٩] - بدن الولد: البدن س.
[١٠] - هى: ههنا مص.
[١١] - الإنسان: الحيوان مص.