موسوعة التاريخ الاسلامي - اليوسفي، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٦٧ - علة المأمون وموته
الموضع وكثرة خُضرته ، فأمر بقطع شجر طوال لتوضع على العين كالجسر ، وتُعقد له مظلة فوقها من أغصان الشجر ، فجلس فيها ، وطُرح في الماء درهم فقرأ كتابته .
ولاحت سمكة نحو الذراع بيضاء كأنها سبيكة فضة ، فجعل لمن يُخرجها جائزة ، فبدر بعض الفرّاشين فأخذها وصعد ، فلمّا وضعها بين يدي المأمون اضطربت وأفلتت إلى الماء ، فنضح من الماء على صدر المأمون ونحره وترقوته وابتلّ ثوبه ، وانحدر الفرّاش فأخذها ثانية ووضعها في منديل بين يدي المأمون ، فأمر المأمون بقليها . ثمّ أخذته الرعدة فغطّي باللحف وهو يصيح البرد البرد ويرتعد كالسعفة ، فحوّلوه إلى خيمته ودُثر واُوقدت حوله النيران وهو يصيح البرد البرد ! وأُتي بالسمكة المقلية فلم يطعم منها .
وكان مع المأمون ابن ماسويه وبختيشوع الطبيب فسألهما المعتصم عن حال المأمون ، فتقدما إليه وأخذ كل منهما بيديه ، وكان يعرق فالتزقت أيديهما ببشرته لعرقه كأنه زيت ! وجهلا حاله . فأحضر المأمون سائر الأطبّاء حوله يؤمّل خلاصه [١] .
ولما اشتدّ مرضه طلب ابنه العباس فأتاه مجهوداً وقد نفذت الكتب إلى البلدان وفيها : من عبد اللََّه المأمون وأخيه أبي إسحاق ( المعتصم ) الخليفة من بعده . فقيل : إنّ ذلك كان بأمر المأمون وقيل : بل كتبوا ذلك عنه في غشيته [٢] .
وقيل : لم يوصِ إلّابعد حضور ابنه العباس مع الفقهاء والقضاة والقوّاد والكتّاب ، ثمّ ذكر الطبري له وصيّة مفصّلة قال فيها : ليصلّ عليَّ أكبركم سنّاً من أقربكم إليّ نسباً ! وليكبّر خمساً - كما على مذهب أهل البيت ولكن بأدعية
[١] مروج الذهب ٣ : ٤٥٦ - ٤٥٧ .
[٢] تاريخ الخلفاء للسيوطي : ٣٧١ ، وأصلها في تاريخ الطبري ٨ : ٦٤٧ .