السيرة النبوية عند أهل البيت - الكوراني العاملي، علي - الصفحة ٥٧٥
بذلك ، ويعطى كل جلسائه نصيبه ، ولا يحسب من جلسائه أن أحداً أكرم عليه منه ، من جالسه صابره حتى يكون هو المنصرف عنه ، من سأله حاجة لم يرجع إلا بها أو بميسور من القول ، قد وسع الناس منه خلقه وصار لهم أباً ، وصاروا عنده في الخلق سواء ، مجلسه مجلس حلم وحياء وصدق وأمانة ، ولا ترتفع فيه الأصوات ، ولا تؤبن فيه الحرم ، ولا تنثى فلتأته ، متعادلين ، متواصلين فيه بالتقوى ، متواضعين ، يوقرون الكبير ، ويرحمون الصغير ، ويؤثرون ذا الحاجة ، ويحفظون الغريب .
فقلت : فكيف كان سيرته في جلسائه ؟ فقال : كان دائم البشر ، سهل الخلق ، لين الجانب ، ليس بفظ ، ولا غليظ ، ولا صخاب ، ولا فحاش ، ولا عياب ، ولا مداح ، يتغافل عما لا يشتهي ، فلا يؤيس منه ، ولا يخيب فيه مؤمليه ، قد ترك نفسه من ثلاث : المراء ، والإكثار ، وما لا يعنيه ، وترك الناس من ثلاث : كان لا يذم أحداً ولا يعيره ، ولا يطلب عثراته ولا عورته . ولا يتكلم إلا في ما رجا ثوابه . إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير ، فإذا سكت تكلموا ولا يتنازعون عنده الحديث ، من تكلم أنصتوا له حتى يفرغ ، حديثهم عنده حديث أولهم ، يضحك مما يضحكون منه ويتعجب مما يتعجبون منه ، ويصبر للغريب على الجفوة في مسألته ومنطقه ، حتى أن كان أصحابه ليستجلبونهم ، ويقول : إذا رأيتم طالب الحاجة يطلبها فارفدوه ، ولا يقبل الثناء إلا من مكافئ ، ولا يقطع على أحد كلامه حتى يجوز ، فيقطعه بنهي أو قيام .
قال : فسألته عن سكوت رسول الله ( ٦ ) قال : كان سكوته على أربع : على الحلم والحذر والتقدير والتفكر . فأما التقدير ففي تسوية النظر والاستماع بين الناس ، وأما تفكره ففيما يبقى أو يفنى ، وجمع له الحلم في الصبر ، فكان لا يغضبه شئ ولا يستفزه . وجمع له الحذر في أربع : أخذه بالحسن ليقتدى به ، وتركه القبيح لينتهى عنه ، واجتهاده الرأي في صلاح أمته ، والقيام فيما جمع لهم من خير الدنيا والآخرة » المناقب : ١ / ١٣٤ ، العدد القوية للحلي / ١٢٠ ، مسند أحمد : ١ / ٩٦ ، الحاكم :