السيرة النبوية عند أهل البيت - الكوراني العاملي، علي - الصفحة ٢٣٤
قالوا : فنقول ساحر . قال : ما هو بساحر ، قد رأينا السُّحَّار وسحرهم فما هو بنفثه ولا عقده . قالوا : فما نقول يا أبا عبد شمس ؟ قال : والله إن لقوله لحلاوة ، وإن أصله لَعَذِقٌ وإن فرعه لجُناه ، وما أنتم بقائلين من هذا شيئاً إلا عرف أنه باطل ، وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا ساحر ، جاء بقول هو سحر يفرق به بين المرء وأبيه ، وبين المرء وأخيه ، وبين المرء وزوجه ، وبين المرء وعشيرته .
فلما أقبلت العرب خرجوا يجلسون على طرقها يحذرون منه كل من قدم ويقولون : حدث عندنا ساحر ، فإياكم أن يهلككم بسحره ! وأنزل الله عز وجل في ذلك في الوليد بن المغيرة : ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا . وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُودًا . وَبَنِينَ شُهُودًا . وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا . ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ . كَلا إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا . سَأُرْهِقْهُ صَعُودًا . إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ . فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ . ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ . ثُمَّ نَظَرَ . ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ . ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ . فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ . إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ البَشَرِ . سَأُصْلِيهِ سَقَرَ . وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ . لاتُبْقي وَلاتَذَرُ . لَوَاحَةٌ لِلْبَشَرِ . عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ . « المدثر ١١ - ٣٠ » . فلم يزالوا يقولون ذلك لكل من جاء من ناحية من نواحي بلاد العرب ، حتى صدروا عن الحج وأغروهم به واستنصروهم عليه ، فوعدهم كثير منهم النصرة ، وانتشر ذلك من أمرهم في العرب . وخاف أبو طالب دهماءها واجتماعها على رسول الله ( ٦ ) للحمية في دينها ، وتحريض قريش عليه واستنفارهم إليه ، وأشفق من ذلك على رسول الله ( ٦ ) إشفاقاً شديداً ، فلم يرَ في دفع ذلك عنه إلا إصلاح جانب العرب له .
وكان إظهار أبي طالب ما يظهره من التمسك بدين العرب تقيّة عليه وذباً عنه ، لأنه لو أظهر الإسلام كما أظهره حمزة لرفضته العرب ولم تلتفت إليه . . . وكان أبو طالب سيداً من سادات العرب ، تعرف له حقه ولا تكاد تدخل فيما يسوءه ، ولا تظاهره إلاّ بالمعروف وهو على دينها ، فقال شعره الذي استعطف العرب به وتودد إلى أشرافها فيه ، ليصرفهم عن رسول الله ( ٦ ) وأخبرهم أنه على دينهم لم يبدّله » . المناقب والمثالب / ٩٢ ، لأبي حنيفة النعمان المغربي المتوفى : ٣٦٣ ، الاكتفاء : ١ / ٢١٨ ، للكلاعي الأندلسي المتوفى : ٦٣٤ . وابن إسحاق : ٢ / ١٣١ وكلها تصرح بأن أبا طالب كان مسلماً .