السيرة النبوية عند أهل البيت - الكوراني العاملي، علي - الصفحة ٢٥٦
أقول : لاغرابة في أن يكون الله تعالى علَّم نبيه ( ٦ ) وأراه في معراجه كثيراً من المستقبل ! لأن كل ما سيحدث في هذا الكون مخزون في علم الله تعالى الذي أحاط بكل شئ ، ونحن نرى في المنام أموراً من المستقبل ، ثم تحدث كما رأيناها تماماً ، فكأن ذلك المنام لقطة من المستقبل المخزون !
كما يدلنا هذا الحديث الشريف العميق على أن تعليم الله تعالى لرسوله ( ٦ ) ولأوصيائه « : » له نظام وأصول ، في توقيته ، وتدرجه ، وإمضائه ، والسماح ببيانه ، بما يحفظ لهم الاختيار ، ويحفظ المسار الصحيح لتبليغهم رسالات ربهم . قال تعالى : عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا . إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا . لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيء عَدداً . الجن : ٢٦ - ٢٨ .
٨ - كان الإسراء إلى المدينة وكوفان والطور وبيت المقدس
في الكافي : ٨ / ٢٧٩ : « عن المفضل بن عمر قال : كنت عند أبي عبد الله ( ٧ ) بالكوفة أيام قدم على أبي العباس « السفاح » فلما انتهينا إلى الكناسة قال : هاهنا صلب عمي زيد « رحمه الله » ، ثم مضى حتى انتهى إلى طاق الزياتين وهو آخر السراجين ، فنزل وقال : إنزل فإن هذا الموضع كان مسجد الكوفة الأول الذي خطه آدم ( ٧ ) ، وأنا أكره أن أدخله راكباً . قال قلت : فمن غيَّره عن خطته ؟ قال : أما أول ذلك الطوفان في زمن نوح ( ٧ ) ، ثم غيره أصحاب كسرى ونعمان ، ثم غيَّره بعدُ زياد بن أبي سفيان . فقلت : وكانت الكوفة ومسجدها في زمن نوح ( ٧ ) ؟ فقال لي : نعم يا مفضل ، وكان منزل نوح وقومه في قرية على منزل من الفرات ، مما يلي غربي الكوفة ، قال : وكان نوح ( ٧ ) رجلاً نجاراً فجعله الله عز وجل نبياً وانتجبه ، ونوح أول من عمل سفينة تجري على ظهر الماء .
قال : ولبث نوح ( ٧ ) في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم إلى الله عز وجل فيهزؤون به ويسخرون منه ، فلما رأى ذلك منهم دعا عليهم فقال : رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا . إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلايَلِدُوا إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا . فأوحى الله عز وجل إلى نوح أن اصنع سفينة وأوسعها وعجل عملها ، فعمل نوح سفينة في مسجد الكوفة بيده ، فأتى بالخشب من بُعد حتى فرغ منها .