السيرة النبوية عند أهل البيت - الكوراني العاملي، علي - الصفحة ١٥٠
أبيه . يا أبا طالب إن أدركت أيامه فاعلم أني كنت من أبصر الناس وأعلم الناس به ، فإن استطعت أن تتبعه فافعل ، وانصره بلسانك ويدك ومالك ، فإنه والله سيسودكم ويملك ما لم يملك أحد من بني آبائي . يا أبا طالب ما أعلم أحداً من آبائك مات عنه أبوه على حال أبيه ، ولا أمه على حال أمه ، فاحفظه لوحدته ، هل قبلت وصيتي فيه ؟
فقال : نعم قد قبلت واللهُ عليَّ بذلك شهيد ، فقال عبد المطلب : فمدَّ يدك إليَّ فمد يده إليه فضرب يده على يده ثم قال عبد المطلب : الآن خفَّ عليَّ الموت !
ثم لم يزل يقبله ويقول : أشهد أني لم أقبل أحداً من ولدي أطيب ريحاً منك ، ولا أحس وجهاً منك ، ويتمنى أن يكون قد بقي حتى يدرك زمانه !
فمات عبد المطلب وهو ( ٦ ) ابن ثمان سنين ، فضمه أبو طالب إلى نفسه لا يفارقه ساعة من ليل ولا نهار ، وكان ينام معه لا يأتمن عليه أحداً » !
قال اليعقوبي : ٢ / ١٢ ، « أوصى لأبي طالب برسول الله ( ٦ ) وبزمزم ، وقال له :
وصيك يا عبد مناف بعدي * بمفرد بعد أبيه فرد
فارقه وهو ضجيع المهد * فكنت كالأم له في الوجد
تدنيه من أحشائها والكبد * فأنت من أرجى بَنِيَّ عندي
لدفع ضيم أو لشد عقد
وتوفي عبد المطلب ولرسول الله ثماني سنين ، ولعبد المطلب مائة وعشرون سنة وقيل مائة وأربعون سنة ، وأعظمت قريش موته ، وغُسل بالماء والسدر ، وكانت قريش أول من غسل الموتى بالسدر ، ولُفَّ في حلتين من حلل اليمن قيمتهما ألف مثقال ذهب ، وطرح عليه المسك حتى سترهُ ، وحمل على أيدي الرجال عدة أيام ، إعظاماً وإكراماً وإكباراً لتغييبه في التراب !
واحتبى « جلس » ابنه بفناء الكعبة لما غيب عبد المطلب ، واحتبى ابن جدعان التيمي من ناحية ، والوليد بن ربيعة المخزومي ، فادعى كل واحد الرئاسة » .