السيرة النبوية عند أهل البيت - الكوراني العاملي، علي - الصفحة ٥٦٩
« فتأس بنبيك الأطيب الأطهر ( ٦ ) فإن فيه أسوةً لمن تأسى ، وعزاءً لمن تعزَّى . وأحبُّ العباد إلى الله المتأسِّي بنبيه والمقتصُّ لأثره . قضم الدنيا قضماً ، ولم يُعِرْهَا طرفاً . أهضم أهل الدنيا كشحاً ، وأخمصهم من الدنيا بطناً . عرضت عليه الدنيا فأبى أن يقبلها . علم أن الله سبحانه أبغض شيئاً فأبغضه ، وحقر شيئاً فحقره ، وصغَّر شيئاً فصغَّره . ولو لم يكن فينا إلاّ حبنا ما أبغض الله ورسوله ، وتعظيمنا ما صغَّر الله ورسوله لكفى به شقاقاً لله ، ومحادَّةً عن أمر الله !
ولقد كان ( ٦ ) يأكل على الأرض ، ويجلس جلسة العبد ، ويخصف بيده نعله ، ويرقع بيده ثوبه ، ويركب الحمار العاري ، ويردف خلفه . ويكون السّتر على باب بيته فتكون فيه التّصاوير فيقول : يا فلانة لإحدى أزواجه غيبيه عني ، فإني إذا نظرت إليه ذكرت الدّنيا وزخارفها . فأعرض عن الدنيا بقلبه ، وأمات ذكرها من نفسه ، وأحب أن تغيب زينتها عن عينه ، لكيلا يتخذ منها رياشاً ، ولا يعتقدها قراراً ، ولا يرجو فيها مقاماً . فأخرجها من النفس ، وأشخصها عن القلب ، وغيّبها عن البصر . وكذلك من أبغض شيئاً أبغض أن ينظر إليه ، وأن يذكر عنده . ولقد كان في رسول الله ( ٦ ) ما يدلّك على مساوئ الدنيا وعيوبها ، إذ جاع فيها مع خاصّته ، وزويت عنه زخارفها مع عظيم زلفته .
فلينظر ناظر بعقله ، أكرم الله محمّداً بذلك أم أهانه ؟ فإن قال : أهانه فقد كذب والله العظيم بالإفك العظيم . وإن قال أكرمه ، فليعلم أنّ الله قد أهان غيره حيث بسط الدّنيا له ، وزواها عن أقرب النّاس منه » . نهج البلاغة / ٨٨ ح ، ٥٨٠ .
« فقاتلَ بمن أطاعه من عصاه ، يسوقهم إلى منجاتهم ، ويبادر بهم السّاعة أن تنزل بهم . يحسر الحسير « يعالج الضعيف » ويقف الكسير فيقيم عليه حتّى يلحقه غايته ، إلاّ هالكاً لا خير فيه . حتّى أراهم منجاتهم ، وبوّأهم محلّتهم ، فاستدارت رحاهم واستقامت قناتهم » . نهج البلاغة / الخطبة : ١٠٢ ، ١٩٨ .
« اللهم داحي المدحوات ، وداعم المسموكات ، وجابل القلوب على فطرتها ، شقيها وسعيدها ، اجعل شرائف صلواتك ، ونوامي بركاتك ، على محمد عبدك