السيرة النبوية عند أهل البيت - الكوراني العاملي، علي - الصفحة ٤٨٧
كل شئ جهزته البطون لتنفيذ الجريمة وبأعصاب هادئة ، مع أن محمداً من قريش ومع أن الهاشميين بنو عمومتهم ، ولكن عندما يتمكن الحقد من النفوس فإنها تبور ولا شئ يصلحها .
هيأ الرسول ( ٦ ) نفسه للهجرة والخروج من مكة ، وكلف ولي عهده والإمام من بعده علي بن أبي طالب ، أن يتدثر ببرد النبي الحضرمي الأخضر ، وأن ينام في فراش النبي ، ليوهم المتآمرين القتلة أن النائم هو النبي وليس علياً فينشغلوا عنه . وكلف النبي ولي عهده أيضاً أن يتولى تأدية الأمانات الموجودة عند الرسول إلى أهلها ، وبعد أن يفعل ذلك يحمل أهل النبي ، ويتبعه مهاجراً إلى المدينة المنورة .
وبعد أن رتب النبي ( ٦ ) أموره ودَّعَ ولي عهده وأهل بيته وخرج مهاجراً .
شاهد النبي المتآمرين القتلة يحيطون بالبيت المبارك إحاطة السوار بالمعصم ، ويطوقونه تطويقاً كاملاً ، بحيث يتعذر الدخول أو الخروج من البيت !
وقف النبي ( ٦ ) وقرأ : يَس . وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ . . . وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لايُبْصِرُونَ .
وطال انتظار المتآمرين ولم يخرج النبي وبدأت الوساوس تعمل في صدورهم ! لقد انبلج الفجر ولاحت الدنيا ، ومن المستحيل أن يتأخر خروج محمد إلى هذا الحد ، واقتحموا بيت النبي ودخلوا الحجرة المقدسة ، واقتربوا من فراش النبي وكشفوا الغطاء ، فإذا النائم بفراش النبي علي وليس محمداً ! فهاج القتلة وسألوا علياً عن النبي فقال لهم علي بهدوء المؤمن ورباطة جأشه : « قلتم له أخرج عنا فخرج عنكم » !
أحيطت زعامة بطون قريش علماً بما حدث ، فهاجت وماجت وجن جنونها ، فأطلقت فرسانها ورجالها ليبحثوا عن محمد وليعودوا به حياً أو ميتاً ، وخصصت جائزة كبرى مقدارها مائة ناقة لمن يقبض على محمد ، وبذلت زعامة بطون قريش كل وسعها للقبض على محمد ، ولكنها فشلت ولم تفلح ، حيث دخل النبي الغار وقضى فيه ثلاثة أيام ، حتى يئست زعامة البطون من العثور عليه ، وبعد ذلك شق طريقه بيمن الله ورعايته إلى عاصمة دولته المباركة » .