السيرة النبوية عند أهل البيت - الكوراني العاملي، علي - الصفحة ١٦٠
بلاده . فخرج به عمه أبو طالب سريعاً حتى أقدمه مكة حين فرغ من تجارته بالشام . فزعموا فيما يتحدث الناس أن زبيراً وتماماً ودريساً ، وهم نفر من أهل الكتاب قد كانوا رأوا من رسول الله ( ٦ ) في ذلك السفر الذي كان فيه مع عمه أبي طالب أشياء فأرادوه ، فردهم عنه بحيرا ، وذكرهم الله عز وجل وما يجدون في الكتاب من ذكره وصفته ، وأنهم إن أجمعوا لما أرادوا لم يخلصوا إليه ، حتى عرفوا ما قال لهم وصدقوه بما قال ، فتركوه وانصرفوا ! فقال أبو طالب في ذلك من الشعر يذكر مسيره برسول الله ( ٦ ) وما أرادوا منه أولئك النفر ، وما قال بحيرا :
إن ابن آمنة النبي محمداً * عندي بمثل منازل الأولاد
لما تعلق بالزمام رحمته * والعيس قد قلَّصن بالأزواد
فارفضَّ من عَيْنَيَّ دمعٌ ذارفٌ * مثلُ الجمان مفرَّقُ الأفراد
راعيت فيه قرابةً موصولة * وحفظت فيه وصية الأجداد
وأمرته بالسير بين عمومةٍ * بيض الوجوه مصالت الأنجاد
ساروا لأبعد طيةٍ معلومة * فلقد تباعدَ طيةُ المرتاد
حتى إذا ما القوم بصرى عاينوا * لاقوا على شرفٍ من المرصاد
حبراً فأخبرهم حديثاً صادقاً * عنه وردَّ معاشر الحساد
قوماً يهوداً قد رأوا ما قد رأى * ظِل الغمام وعزَّ ذي الأكباد
ساروا لقتل محمد فنهاهم * عنه وأجهد أحسن الإجهاد
فثنى زبيرٌ بَحِيراً فانثنى * في القوم بعد تجادل وبعاد
ونهى دريساً فانتهى عن قوله * حبر يوافق أمره برشاد
وقال أبو طالب أيضاً :
ألم ترني من بعد همٍّ هممته * كأن لا يراني راجعاً لمعاد
بأحمد لما أن شددت مطيتي * برحلي وقد ودعته بسلام
بكى حَزَناً والعيس قد فصلت بنا * وأخذتُ بالكفين فضلَ زمام