محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٢ - الخطبة الأولى
بوعي، ما داموا لا يمرّون على آيات الله صُمّاً وعمياناً فهم فقهاء. وفقهاء لا يتّقون الله إنما هم جهلة وأموات وليسوا بالفقهاء.
المؤمنون الفقهاء المفكِّرون المعتبِرون المطالعون لدروس الحياة بوعي، المستفيدون منها لن يصمّهم عن ذكر الله ما سمعوا بآذانهم. الثروة العريضة، الرقم الكوني المالي المعيّن، جمال فلانة، منصب فلان، شهرة فلان، المكسب الاجتماعي الضخم، كلّ ذلك يسمعونه، ويرون جمالا، ويرون مالا، ويرون زينة، وأمامهم الفرص المتاحة، لكنّ شيئا من ذلك لم يغرهم، ولم يقفوا عنده ليقطع عليهم رحلتهم إلى الله سبحانه وتعالى.
الطفل تستوقفه اللعبة البرّاقة، الطفل يستوقفه المنظر الذي لا يعبأ به الكبير، إن لعبة نارية صغيرة لتستحوذ على مشاعر الطفل وتستقطب منه نفسه كلّها، لكنك بوعيك، وفهمك، وخبرتك لا تعطي الاهتمام لتلك اللعبة النارية، ومن عرف الله كان أكبر الناس وعياً، وأصفاهم قلباً، وأشعّهم روحا، وأرقاهم ذاتا. فإذا تساقط الرجال والنساء ممن يُعدّون عظماء أمام زينة الدنيا؛ ومالها، حلالها، حرامها فإن نفراً ممن وعوا الحياة لا تستوقفهم الدنيا ولا تستقطبهم. نعم، يمرّون بها عابرين، وكل توجههم لله تبارك وتعالى.
أما أولئك ممن نُسمّيهم عظماء، وهم صغار، ممن لم يستفيدوا عبرة ولا عظة من دروس الحياة فتصمهم الدنيا عن سمع آيات الله؛ السمع المفيد، وتعميهم زينتها عن رؤية عظمته، فيتلهّون بالدنيا كما يتلهّى الأطفال بما بين أيديهم من لعب صغيرة.
وسنكتشف جميعاً في يوم من الأيام، يوم نلقى الله بالتحديد، ويوم النشور أن الدنيا صغيرة أمام الآخرة، وأن دنيانا إذا قيست بالآخرة بانت زيفا إلا ما أوصل منها إلى الله سبحانه وتعالى. سنكتشف عند ذاك أننا قد خسرنا كل شيء، لم نربح شيئا حين انفصلنا عن الله، وكان كل انشدادنا للدنيا.