محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢١ - الخطبة الأولى
إنّما كانوا أهل الذّكر بمداومتهم عليه، وصدقهم فيه، وتعلّقهم به؛ تعلّق شغف وشوق شديدين، وإذا كان للدّنيا- أهل وهو كذلك- فإنّ لذكر الله أهلًا كما هو حقّ.
أناسٌ يبيعون أنفسهم للدنيا، وأناس لا يبيعون أنفسهم إلا لله، أناس ينشدّون بكلّهم إلى أيّام قليلة في الدّنيا، ومتعٍ رخاص، أما نفوس أخرى هي كبيرة فلا تأنس إلا بالله، ولا تتجه إلا إليه، ولا ترضى إلا به.
أهل الذّكر تواجههم التجارة كما تواجه الآخرين، ويرون من زينة الدنيا ما يراه الآخرون، يسمعون عمّا في الدنيا كما يسمع الآخرون، ويرون منها ما يرى الآخرون. الآخرون إذا سمعوا ورأوا ما في الدنيا انجذبوا إليها، وكان لها من سحرها عليهم سلطان لا يُغلَب، أما الذين كبُرت نفوسهم، وصفت قلوبهم، وشعّت بالإيمان أرواحهم فما يسمعونه عن الدّنيا وما يرونه لا يستقطب منهم همّاً، ولا يثير فيهم إرادة، ولا يجد له في داخلهم من حبٍّ وتعلّق، فقد شغلهم جمال الله وجلاله وكماله.
أهل الذّكر يقطعون به الحياة، ولا يُعوِّضهم عنه شيء منها، ولا يجدون الأُنس إلا فيه، ولا يشعرون بمعنىً لهم ولحياتهم إلا من خلاله. فهذه الحياة غابة، وهذه الحياة ظلمة موحشة عندهم إلا بذكر الله.
في كلمة أخرى عن الإمام الباقر عليه السلام:" ... وكأنّ المؤمنين هم الفقهاء أهل فكرة وعبرة لم يصمّهم عن ذكر الله ما سمعوا بآذانهم، ولم يعمهم عن ذكر الله مارأوا من الزّينة ..." ٢.
من هم الفقهاء حقّاً؟ الفقهاء حقّا هم أهل فكرة وعبرة، كانوا على علم جمٍّ من فقه الشريعة، أم كان لهم حظّ أقل من ذلك، لكن ما دامت قلوبهم متعلّقة بالله، وما داموا أحياءً فكراً موصولًا بذكر الله، ما داموا يتلقّون دروس الحياة والموت والفقر والغنى وكل التقلّبات