محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٠٠ - الخطبة الثانية
وصدق علي عليه السلام لأننا نصغر ونحقر ونتأزم نفسيّاً، ويفوتنا خير كثير، وتضطرب أحوالنا الاجتماعية، وننقسم متباغضين متحاربين، ويظلم بعضنا بعضا، وتسوء أوضاعنا المادية ونشقى ضعيفا وقويّا، وفقيراً وغنيّا لأننا نعيش لأبداننا دون أرواحنا التي هي سرّ الكرامة والسعادة وقيم العدل والإحسان، والإخاء والمحبة فينا، ولأننا نعيش دنيانا بقيمها المادية المختنقة التي تثير فينا روح القتال على قبضة من عشب، أو قليل من حشف، ونبقى نقاتل عليها حتّى لو اجتمع لنا من حطامها ما يكفي لملايين السنين وليس من وراء هذا التكديس الجنوني لهذا الحطام إلا ضرب من الهوس والجنون.
والدنيا عند علي عليه السلام معبر عاجل، وممر سريع لحياة سعادة أو شقاء بلا حدود، ويحدد قيمتها عنده أن تكون جسر تلك السعادة الأبدية أو ذلك الشقاء المقيم.
ولا بد أن لا تشُحَّ، ولا تتبذخ، أن لا تعسر ولا تبطر بما لا يتحمله الإنسان فتقطع عليه سيره للآخرة، ولابد أن تتوازن وتعتدل أوضاعها لتكون عون الإنسان على تربية نفسه، ونيل هداه، وبلوغ غايته، وسمو ذاته، والتوفّر على سعادته.
ولا يحقق للدنيا أن تكون كذلك إلا أن تُعمر، وتُتقاسم في ضوء قيم الآخرة ومنها العدل والهادفية الإنسانية، وأن تكون الوجهة لله.
والخلافة سلطةً دنيويةً، ومنصبَ تأمّر على الناس عوائده على صاحبه دنيوية لا تساوي في نظرِ علي عليه السلام شسع نعل بالية أتت عليها الأيام. الخلافة بهذا المعنى حتى لو طرقت باب علي عليه السلام متوسلة إليه بألف وسيلة تطلب موافقته لرفضها وفرّ منها خائفا مستوحشا وَجِلا.
والخلافة وظيفةً إلهيةً، وموقعا لتصحيح أوضاع الناس، وإنقاذهم من المستنقعات التي تأتي على راحتهم في الدنيا، وسعادتهم في الآخرة، يمكن أن ينافس عليها عليّ عليه السلام،