محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٨١ - الخطبة الأولى
" قال الأسود بن قيس: جاء عليّ بن أبي طالب عليه السّلام عائداً صعصعة فدخل عليه فقال له: يا صعصعة لا تجعلنّ عيادتي إليك أبّهةً على قومك، فقال: لا والله يا أمير المؤمنين ولكن نعمةً وشكراً.
فقال له عليّ عليه السّلام: إن كنت لما علمت لخفيف المؤونة عظيم المعونة، فقال صعصعة: وأنت والله يا أمير المؤمنين إنّك ما علمت بكتاب الله لعليم، وإنّ الله في صدرك لعظيم، وإنّك بالمؤمنين رؤوف رحيم" ٣.
زيارة علي عليه السلام وهو أمير المؤمنين وهو رأس الإيمان بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، ورأس الدولة، وقمّة الهرم السياسي يتّخذ منها البعض مفخرة، وتحدث مخيلة في نفسه، وأنه لو لم يكن الكبير لما زاره أمير المؤمنين عليه السلام، وأمير المؤمنين عليه السلام كان يخشى أن يمسّ شيء من هذا الشعور القتّال نفسية صعصعة، وهو يعرفه أنه على شأن من الإيمان، ومن العقل، والرزانة، والانضباط، ولكنه يبقى البشر الذي يحتاج إلى تنبيه، ويحتاج إلى توجيه، فقال له: يا صعصعة لا تجعلنّ عيادتي إليك أبّهةً على قومك" فتتيه على أصحابك، وتفتخر بأن أمير المؤمنين عليه السلام اختارني من بينكم فخصّني بزيارته، لتسجّل تفوّقاً في نفسك على الآخرين.
" (في المناجاة) إلهي كفى بي عزّاً أن أكون لك عبداً، وكفى بي فخراً أن تكون لي ربّاً" ٤.
بلى، أكبر العزّ، وأكبر الفخر أمام هذا العبد هو أن يقف الذليل الخاضع المسكين المستكين بين يدي الله ليتغذّى عزّا، وليسمو ويرتفع، ويثق بالعطاء المستمرِّ، والدعم غير المحدود، وإلا فأي طريق آخر يمكن لهذا الإنسان أن يلتمس منه عزّاً، والعزّ والفخر عن قوّة، والعزّ