محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٧٩ - الخطبة الأولى
" (من كلام لأمير المؤمنين عليه السلام بعد تلاوة ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر) ... أفبمصارع آبائهم يفخرون! أم بعديد الهلكى يتكاثرون! يرتجعون منهم أجساداً خَوَتْ، وحركات سكنت، ولأن يكونوا عبراً، أحقُّ من أن يكونوا مفتخراً ..." ١.
لماذا نسترجع ذكر أمواتنا؟ نسترجعهم أمام الآخرين افتخاراً، وبمَ نفتخر من الموتى؟ إنما نفتخر بأمور دنياهم في الأكثر؛ بقوة جسد، وقدرة بطش، وجمع مال، وكثرة بنين، وظهور في الناس، وهل بقي شيء من ذلك نفتخر به؟! كل ذلك قد ذهب وانتهى، وما بقي إلا مكانُ أن صُرِّعوا، ومكان أن دُفنوا، لم يبق منهم إلا تراب في تراب، أو أعضاء تمزّقت وتناثرت، وكان فيها الدرس الكبير، وبقي منهم أعداد وأرقام ليس وراءها شيء، إنها أعداد، لكن ما وراء تلك الأعداد؟ رميم، أجسام اختلطت بالأرض، أجسام لا يسترها إلا أن ووريت الثرى، أما لو كانت على ظهر الأرض لتفّرت وقززت ولو بعد حين، وما كان لأحد أن يفتخر بتلك الأجسام. بقيت أعداد من هلكى لا يدفعون ولا يمنعون، ولا يردّون عنهم كلمة.
" أفبمصارع آبائهم يفخرون! أم بعديد الهلكى يتكاثرون! يرتجعون منهم أجساداً خَوَتْ" هذا الذي نعيده على مسامع الناس من أن جدّي وجدّ جدّ أبي كان الغنيَّ، وكان القويّ وكان القهّار إنما هو حديث عن أجساد خوت، وما تستعيد منهم إلّا حركات سكنت؟! كل حياتهم بقيت قصّة، فلا بطش، لا قوة، لا مال، لا جبروت، لا تأثير، لا فاعلية.
" ولأن يكونوا عبراً، أحقُّ من أن يكونوا مفتخراً ..." مآل الآباء والأجداد والأمهات والجدات من ناحية البدن مبعث عبرة، وفيه الدرس الكبير، وما أحق بسليل أولئك أن